السبت , مايو 30 2026 | 11:49 ص
الرئيسية / stop / مطلق الحجايا يكتب : محفوفه

مطلق الحجايا يكتب : محفوفه

فيلادلفيا نيوز

كان الناس قديما اذا ارادوا التنبيه في المجالس قالوا كلمة واحدة :

محفوفة

اشارة الى ان الكلام ليس في مأمن تام وان في الحاضرين من قد ينقل الحديث او لا يؤتمن عليه

وكان الحضور من فطنتهم وذكاءهم إذا شاهدوا الرجل يلتفت يمينا و شمالاً وتفحص المجلس قبل ان يتكلم فهموا من ذلك ان هذا الرجل سيتحدث حديثا خاصا وغير قابل للنشر بدون ان يقول لهم ذلك

وقد جاء الهدي النبوي مؤكدا لهذا المعنى حين قال النبي صلى الله عليه وسلم :

اذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي امانة فالاصل ان الحديث الذي يقال في مجلس خاص ويراد به الخصوص هو امانة في اعناق من سمعه لا ينقل ولا ينشر ولا يستثمر في اثارة الفتن او الاضرار بالناس

 

غير ان هذا الميزان الدقيق اختل في زمننا مع دخول وسائل الاتصال الحديثة وعلى راسها الهواتف الذكية التي تحولت الى ادوات توثيق فوري وبث مباشر

ولم يعد الخوف من شخص بعينه بل من جهاز في يد كل جالس هذا يصور وذاك يسجل واخر يبث على الهواء مباشرة

 

وهنا تتفاقم الاشكالية فالكلمة التي كانت تقال داخل المجلس ويمكن احتواؤها او الاعتذار عنها اصبحت اليوم تنقل في لحظات الى خارج حدود المكان وتتداول بلا سياق وقد تفهم على غير مرادها فتحدث فتنة وربما تشعل نزاعا او تفسد صلحا

 

وتزداد الخطورة في مجالس الاصلاح كجاهات الصلح في قضايا الدم او النزاعات العشائرية حيث تكون النفوس مشحونة والمشاعر متاججة ويجتمع في المجلس العاقل والحليم كما يجتمع فيه المتسرع والسفيه في مثل هذه الاجواء قد تخرج كلمة غير مقصودة تحت ضغط الغضب وفورة الدم فاذا بها تبث مباشرة فتتحول الى شرارة فتنة وتفشل مساعي الاصلاح

 

ان الاشكال هنا ليس في مبدأ التوثيق بل في غياب الضبط

فالتوثيق قد يكون مطلوبا في بعض الحالات لكن ينبغي ان يكون منضبطا بضوابط الامانة والمسؤولية بان يتولاه شخص ثقة دون بث مباشر مع مراجعة التسجيل وتنقيحه قبل نشره وحذف ما قد يتضمن اساءة او خروجا عن المألوف

 

كما ان هذه المسالة لم تعد شانا فرديا بل تستدعي تنظيما واضحا يجمع بين الوعي المجتمعي والضوابط العرفية والاجراءات القانونية بالتنسيق مع الجهات المختصة لضبط هذه الممارسات التي تجاوزت حدودها

 

لقد كانت كلمة محفوفة او الإلتفات في المجلس في الماضي كافية لضبط المجلس اما اليوم فنحن احوج ما نكون الى احياء قيمنا الأخلاقية و ان ندرك ان كل كلمة تقال قد تكون امانة وان خيانتها لم تعد تقتصر على النقل الشفهي بل قد تتم بعدسة هاتف بصوت و صورة

 

وفي زمن تتسارع فيه الكلمة اكثر من التفكير تبقى القاعدة الاخلاقية ثابتة احفظ لسانك واحفظ امانة غيرك ولا تنقل ما قيل فنحن في زمن وصفه صلى الله عليه وسلم بقوله :

حين لا يأمن الجليس جليسه

مطلق أبو أذينة الحجايا

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com