فيلادلفيا نيوز
الدكتور محمد رسول الطراونة
قرأت مؤخراً مقالاً علمياً مهماً للدكتورة ميساء الحسيني وزملائها من مركز الحسين للسرطان، نُشر في إحدى المجلات الطبية المرموقة، تناول بالتحليل تجربة المركز في تطبيق نموذج الرعاية المبني على القيمة، و قد لفت انتباهي ما طرحه المقال من رؤى ثاقبة حول كيفية الموازنة بين محدودية الموارد وارتفاع تكاليف العلاج، خاصة في مجال الأورام الذي يشهد طفرة في الأدوية باهظة الثمن دون أن يقترن ذلك دائماً بتحسن ملموس في نتائج المرضى، هذا المقال لم يقدم مجرد عرض لحالة مؤسسية، بل قدّم خريطة طريق للأنظمة الصحية الطامحة إلى الإصلاح، مما دفعني للكتابة في هذا المجال والتعمق أكثر في هذا المفهوم واستكشاف تجارب الدول الأخرى في تطبيقه.
يُعرَّف الطب المبني على القيمة بأنه نهج يهدف إلى تقديم أفضل رعاية صحية ممكنة تحقق النتائج المرجوة للمريض بأقل تكلفة ممكنة، مع التركيز على تحسين جودة الحياة وإطالة العمر كمقاييس حقيقية للنجاح . يقوم هذا المفهوم على تحول جوهري من نموذج الرعاية التقليدي القائم على ” الحجم ” إلى نموذج يركز على ” النتيجة”، ففي النظام التقليدي، يُدفع لمقدمي الخدمة مقابل كل فحص أو إجراء أو جلسة علاجية، مما يشجع على زيادة الكميات حتى لو كانت غير ضرورية،أما في النظام المبني على القيمة، فتُعاد هيكلة الحوافز لتكافئ الفرق الطبية على تحسين صحة المرضى وتقليل المضاعفات وتجنب الإجراءات منخفضة الفائدة، وهذا يتطلب قياساً دقيقاً للنتائج المبلغ عنها من قبل المرضى، وربط التكاليف مباشرة بتحسنات ملموسة في حالتهم الصحية، مثل سنوات العمر المصححة بجودة الحياة، وهو مؤشر يعكس القيمة الحقيقية للتدخل الطبي.
على الصعيد العالمي، تتباين تجارب الدول في تطبيق هذا النهج بحسب أنظمتها الصحية ومواردها، ففي أوروبا، تُعد هولندا من الدول الرائدة، حيث أنشأت مراكز متخصصة مثل “ديابيتر” Diabeterلرعاية السكري وفق مبادئ القيمة، كما حققت ألمانيا وإسبانيا تقدماً في قياس النتائج وتقديم الرعاية المتكاملة، وبرزت بلغاريا كتجربة ناجحة في مجال الأورام، حيث أنشأت وحدات ممارسة متكاملة لعلاج سرطان الرئة، مما أدى إلى مضاعفة الطاقة الاستيعابية للعيادات وتحسين التواصل بين التخصصات ، أما في الولايات المتحدة، فتعمل مراكز الرعاية الطبية على إدماج المستفيدين في نماذج السداد القائمة على الأداء والمدفوعات المجمعة، وقد أظهرت برامج Medicare Advantage انخفاضاً في حالات الدخول إلى المستشفى وزيارات الطوارئ مع تحسن معدلات الفحص ورضا المرضى، وفي أمريكا اللاتينية، قطعت البرازيل والمكسيك خطوات ملحوظة عبر مبادرات الصحة الرقمية ونماذج الرعاية المتكاملة، مثل مشروع ” الولادة الملائمة ” في البرازيل الذي حسّن تخصيص الموارد، والطب عن بعد في المكسيك الذي وسّع نطاق الوصول للرعاية المتخصصة في المناطق النائية، أما في آسيا، فطبقت سنغافورة برنامجاً للرعاية المبنية على القيمة لعلاج السكتة الدماغية منذ 2019، مما أسهم في تحويل طريقة تقديم الرعاية لهذه الحالة عالية التكلفة، بينما أدخلت الصين هذا المفهوم في إصلاحاتها الصحية عام 2016، وركزت على شراء التأمين الصحي وتحول المستشفيات نحو الأداء.
ورغم هذه التجارب الواعدة، يواجه تطبيق الطب المبني على القيمة عقبات كبيرة، أبرزها استمرار أنظمة الدفع التقليدية، ومقاومة بعض مقدمي الرعاية للتغيير، وضعف البنية التحتية الرقمية اللازمة لجمع وتحليل بيانات النتائج، إضافة إلى صعوبة توحيد مقاييس الجودة عالمياً، كما أن غياب الكوادر المدربة في اقتصاديات الصحة يشكل عائقاً في البلدان النامية.
ختام الكلام، يمثل الطب المبني على القيمة تحولاً استراتيجياً لا مفر منه لضمان استدامة النظم الصحية، خاصة في ظل تزايد الأعباء المالية للأمراض غير السارية ( المزمنة ) والأورام، وقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة والنامية على حد سواء أن التركيز على النتائج الحقيقية للمريض، وليس على كمية الخدمات، هو الطريق الأمثل لتحقيق رعاية صحية عادلة وفعالة ومنصفة للجميع.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ