الثلاثاء , أبريل 28 2026 | 12:29 م
الرئيسية / stop / الاردن في الوجدان اللبناني

الاردن في الوجدان اللبناني

فيلادلفيا نيوز

المحامي معن عبد اللطيف العواملة

جسدت التوأمة بين الفن اللبناني والأردن حالة وجدانية فريدة تجاوزت حدود الجغرافيا و افاق السياسة، لتصبح مثالاً حياً على وحدة المصير الجمالي في المشرق العربي. إن هذا الوجدان الذي استوطنته جبال لبنان وسهول الأردن، اسس لتجليات مرهفة شارك فيها كبار المبدعين اللبنانيين الذين أفردوا للأردن جانباً مهما من نتاجهم الشعري والموسيقي، معبرين عن حب عميق تجذر في ثنايا القصيدة واللحن.
من بين ثنايا هذا الالهام المشترك تجلت عبقرية سعيد عقل التي نحتت للأردن صورة ايقونية، مروراً بصوت فيروز الذي اضحى نشيداً للتراب الأردني، وصولاً إلى وديع الصافي، و جوزيف عازر، و ماجدة الرومي، ثم الى الجيل المعاصر الذي لم ير في الاردن مجرد محطة فنية، بل بيتاً وجمهوراً يقدّر الكلمة الراقية و الشعور الصادق.
لم يكتب سعيد عقل للأردن من منطلق المديح التقليدي، بل انشد بفلسفة ترى المكان رمزاً للسمو والتألق. قصيدته “أردن أرض العزم” غدت وثيقة فنية وطنية يترنم بها الأردنيون، وهي تحمل في طياتها رؤية لبنانية استثنائية للأردن. في هذه القصيدة ابتدع الشاعر معادلة بصرية ووجدانية مذهلة، فهو يصف الأردن بأنه “في حجم بعض الورد”، من الرقة و الوداعة، و لكنه محمي بشوكة القوة والبطولة. و في رائعته الأخرى “عمان في القلب”، ينتقل سعيد عقل إلى فضاء المناجاة الوجدانية. يقول: “عمان في القلب، أنت الجمر والجاه، ببالي عودي مري مثلما الآه”، فهي الجمر الذي يوقد المشاعر، و الجاه الذي يمنح الفخر.
و بالطبع لا يمكن فصل شعر سعيد عقل عن حنجرة السيدة فيروز وألحان الأخوين رحباني، فهذا الابداع المشترك هو الذي نقل الحس اللبناني إلى كل بيت أردني. لقد كانت فيروز الصوت الذي يمنح الكلمات قدسيتها، بينما يرسم الرحابنة للأردن لوحات موسيقية خالدة. اعمالهم الملهمة ولجت الى القلوب و العقول، و استقرت في اعماق الثقافة الاردنية، و باتت جزأ اصيلا من الهوية الوطنية.
اما عمالقة الجبل اللبناني، فقد غرسوا فنهم في تراب الأرض الأردنية، محاكين في أصواتهم عنفوان البادية و شموخ سفوح الاردن. لقد كانوا فرسان المهرجانات الاردنية و عبرت اصواتهم عن عظمة الأرز في العديد من الأعمال المسرحية والاوبيريتات التي عرضت في مدرجاتنا الرومانية و مسارحنا على مدى الوطن. من منا لا يهيم عشقا بـ “عرشك مرمر”، او “يا حب كبر الوعد”، و “يا ديرتي ديرة كرم و رجال”؟ او “اعود و كلي حنين”؟
إن التقدير الأردني لهذا العطاء، الذي تمثل في الأوسمة الملكية السامية الممنوحة للمبدعين اللبنانيين، و في الحب الشعبي العارم العابر للازمان، يؤكد أن الأردن بلد يعرف كيف يكرم من أحبه. وستبقى أسماء مثل فيروز، وديع الصافي، ماجدة الرومي، وجوزيف عازر، و غيرهم كثر، محفورة في ذاكرة الأردنيين كرموز للوفاء والجمال. إن هذه الملحمة الفنية هي الدليل الأكبر على أن الوجدان العربي هو حقيقة واقعة، وأن الفن الاصيل يقدر دور الأردن الذي كان دائماً أرض العزم، و حضن المبدعين.
عاش لبنان حرا، اصيلا، و مبدعا.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com