الإثنين , أغسطس 10 2026 | 4:11 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / إلغاء نظام مستشفى الأمير حمزة  قراءة في الإيجابيات والسلبيات 

إلغاء نظام مستشفى الأمير حمزة  قراءة في الإيجابيات والسلبيات 

فيلادلفيا نيوز

الدكتور محمد رسول الطراونة

 

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية والإدارية الأردنية، أقرَّ مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها مطلع آب 2026، برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، نظام إلغاء نظام مستشفى الأمير حمزة لسنة 2026، وبموجب هذا القرار، تصبح وزارة الصحة الخلف القانوني والواقعي للمستشفى في كل ما له من حقوق وعليه من التزامات، وتُطبَّق على المستشفى الأحكام والتشريعات المطبَّقة على جميع المستشفيات التابعة للوزارة. ويأتي هذا القرار بعد نحو 18 عاماً من العمل بنظام خاص منح المستشفى استقلالاً إدارياً ومالياً منذ صدوره في عام 2008.

لكن اللافت في هذا القرار، أنه يأتي معاكساً تماماً للتقييمات الرسمية التي سبقته، والتي لم تقتصر على الإشادة بنجاح التجربة، بل أوصت صراحة بتعميمها على المستشفيات الكبرى الأخرى، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى اتساق القرارات الإدارية مع خلاصات الدراسات الموضوعية.

أولاً: خلفية القرار – نظام اللامركزية في مستشفى الأمير حمزة

كان مستشفى الأمير حمزة يُعتبر نموذجاً رائداً في تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية ضمن القطاع الصحي الأردني. فقد منحه النظام الخاص استقلالية في إدارة شؤونه، أبرزها حرية الحركة لشراء اللوازم والمستهلكات الطبية والأجهزة الحديثة بطرح عطاءات مباشرة، دون انتظار ترتيبات وزارة الصحة، مما وفر مرونة في الاستجابة للاحتياجات الطارئة. كما مكّنه النظام من التعاقد مع أطباء اختصاص لتقديم خدمات صحية نوعية كانت جديدة على الوزارة، مثل عمليات القلب المفتوح وجراحات الأعصاب والعظام وزراعة الكلى.

غير أن هذا النظام أثار منذ البداية تساؤلات حول طبيعته، إذ أكدت وزارة الصحة أن المستشفى حكومي وأن الحديث عن اتجاهات لخصخصته مجرد أوهام. ومع مرور السنوات، تصاعدت الدعوات لإعادة النظر في هذا النموذج، لتتبلور في قرار الإلغاء الذي يسعى إلى توحيد الإطار التشريعي الناظم لجميع المستشفيات التابعة للوزارة، وحوكمة عملها، ورفع كفاءة الخدمات الصحية.

ثانياً: إيجابيات القرار

  1. توحيد المرجعية الإدارية وإنهاء الازدواجية: يهدف القرار إلى توحيد المرجعية الإدارية والفنية في القطاع الصحي العام، وإلغاء الازدواجية في تقديم الخدمة. وهناك من وصفه بأنه “خطوة إيجابية شجاعة بالاتجاه الصحيح لتجميع الجهود وتوحيد المرجعية الإدارية والفنية في القطاع الصحي العام”.
  2. تحقيق التكامل مع مستشفى عمان الميداني: يقع مستشفى عمان الميداني في حرم مستشفى الأمير حمزة، وقد أعيد تشغيله مؤخراً بعد إغلاق دام أربع سنوات، بعد أن خضع لعملية تأهيل وتطوير شاملة ويهدف الإلغاء إلى تحقيق التكامل في العمل بين المستشفيين، وتخفيف الضغط على مرافق وعيادات مستشفى الأمير حمزة، خصوصاً في أقسام الإسعاف والطوارئ والعناية الحثيثة وغسيل الكلى.
  3. تعزيز الحوكمة ومنع تشتت الجهود: يرى مؤيدو القرار أن إلغاء النظام الخاص يعزز الحوكمة ويمنع تشتت الجهود، ويفادي الاستنزاف المالي والإداري، ويرسخ مرجعية موحدة لإدارة الملفات الصحية بمرونة أعلى، بما يخدم المصلحة الوطنية.
  4. معاملة موحدة للكوادر: بموجب القرار، يُعامل جميع الموظفين في المستشفى وفق أحكام نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، أسوة بالعاملين في جميع المستشفيات الحكومية، مما ينهي حالة التمييز أو الازدواجية في أوضاع الموظفين.

ثالثاً: سلبيات القرار ومخاوف المعارضين

  1. تراجع الخدمات الصحية النوعية: يعارض البعض إلغاء النظام الخاص، بحجة أنه سيؤدي إلى تراجع الخدمات الصحية، خصوصاً الجراحية منها. فقد كان المستشفى يقدم خدمات متطورة بفضل التعاقد مع حوالي 30 طبيب اختصاصي من القطاع الخاص لإجراء عمليات القلب والقسطرة وجراحات الأعصاب والعظام وزراعة الكلى وبعض الجراحات الاخرى المتقدمة. ويخشى المعارضون من أن العودة إلى إدارة وزارة الصحة قد تعيق استمرارية هذه الخدمات بسبب النقص في الأطباء الاختصاصيين.
  2. فقدان المرونة الإدارية والمالية: كانت الميزة الأبرز للنظام الخاص تتمثل في الاستقلال المالي والإداري، الذي أتاح حرية الحركة لشراء اللوازم والاحتياجات الطارئة من خلال مجلس الإدارة، لضمان استمرارية تقديم الخدمة الطبية دون توقف. ويخشى المعارضون من أن العودة إلى الروتين الحكومي ستؤدي إلى إبطاء إجراءات الشراء والتوريد، مما ينعكس سلباً على جودة الخدمات.
  3. تجاهل توصيات التقييم: يرى البعض أن القرار جاء متجاهلاً التوصيات التي خرجت بها تقييمات سابقة للتجربة، والتي دعت إلى تطوير النموذج بدلاً من إلغائه.

رابعاً: خلاصات التقييم … والتوصية التي تم تجاهلها

قبل سنوات من هذا القرار، خضع نموذج مستشفى الأمير حمزة لتقييم شامل من قبل خبراء دوليين ومحليين (في مقدمتهم تقييم الوكالة الأمريكية للتنمية عام 2018 وما تلاه من متابعات ضمن أولويات رؤية التحديث الاقتصادي). ولم تخرج هذه الدراسات بدعوات لإلغاء النظام، بل بالعكس تماماً، فقد أشادت بالمرونة التي وفرها النظام في مجالات حساسة، مثل:

  • سرعة الاستجابة للطوارئ من خلال حرية الشراء المباشر للوازم الطبية والأجهزة دون انتظار روتين الوزارة.
  • جذب الكفاءات من خلال التعاقد مع أطباء اختصاص لتقديم خدمات نوعية (جراحات القلب، الأعصاب، وزراعة الكلى) كانت غائبة عن باقي المستشفيات الحكومية.
  • الإدارة المالية الذاتية التي أتاحت إعادة استثمار الفائض المالي في تطوير البنية التحتية والموارد البشرية.

وكانت التوصية الأبرز والأكثر حسماً في تلك التقارير هي: “تعميم هذا النموذج على المستشفيات الحكومية التي يتجاوز عدد أسرتها 450 سريراً، مع إجراء تعديلات على الحوكمة”، مثل توسيع مجلس الإدارة ليشمل المجتمع المحلي، وزيادة السقوف المالية للمشتريات، ومنح صلاحيات حوافز أوسع للكوادر. أي أن التقييم رأى في التجربة “قيمة مضافة” يجب تصديرها، وليس “خللاً” يجب استئصاله.

ويتجلى هذا التوجه بشكل أكثر وضوحاً في البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي (2023-2025)، حيث وردت في محور “الخدمات المستقبلية”، وبالتحديد ضمن قطاع الرعاية الصحية، مبادرة صريحة تنص على: ” مراجعة التشريعات الناظمة لتجربة مستشفى الأمير حمزة (الاستقلالية) لتعميمها على مستشفيات القطاع العام (خارطة تطوير القطاع العام)”. هذا النص الرسمي يؤكد أن التقييم الوطني لتجربة المستشفى كان إيجابياً لدرجة جعلتها نموذجاً يُحتذى به ويُعمم، وليس تجربةً فاشلة تُلغى.

خامساً: المفارقة الكبرى – لماذا الإلغاء بدلاً من التطبيق؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم: كيف يمكن للجهات الرسمية أن تأخذ بتوصيات التقييم التي تشيد بالتجربة وتدعو إلى تعميمها، ثم تخرج بقرار يقضي بإلغائها بالكامل؟

هذه المفارقة تشير إلى أحد أمرين:

  • إما أن اعتبارات السيطرة الإدارية والرغبة في البيروقراطية المركزية قد غلبت المنطق العلمي للتقييم، وتم اختيار الحل الأسهل (الإلغاء) على حساب الحل الأصلح (التطوير والتعميم).
  • أو أن هناك فجوة كبيرة بين مخرجات فرق التقييم (التي تقوم بأعمال بحثية دقيقة) وبين آليات اتخاذ القرار في المستويات السياسية والإدارية العليا، مما يعكس ضعفاً في استراتيجية “سياسات مبنية على الأدلة”.

خاتمة: فرصة ضائعة لتحديث القطاع الصحي

إن قرار إلغاء نظام مستشفى الأمير حمزة، في ظل وجود توصيات رسمية بتعميمه، لا يمثل مجرد خطوة إدارية عادية، بل يمثل تراجعاً استراتيجياً عن فلسفة الإدارة الصحية الحديثة. فبدلاً من أن يكون المستشفى نواةً لإصلاح شامل يُحتذى به، تحول إلى حالة يُحتذى بزوالها.

نجاح وزارة الصحة في المرحلة القادمة لن يُقاس بقدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على المستشفى، بل بقدرتها الفائقة على تعويض الفقدان الكبير في المرونة التشغيلية والكفاءات النوعية التي كان يتمتع بها هذا الصرح الطبي. وإن عجزت عن ذلك، فسيُذكر هذا القرار في المستقبل كـ “فرصة ضائعة” لتطوير الخدمات الصحية، وكأوضح مثال على تجاهل مخرجات التقييم الرسمية لصالح الاعتبارات الإدارية التقليدية، مما يضع علامة استفهام كبرى حول جدية التحول نحو اللامركزية في الإدارة العامة الأردنية.

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com