فيلادلفيا نيوز
كتب : المحامي صهيب الخالدي
في زمنٍ أصبحت فيه القضايا تُقاس بالمصالح، والمواقف تُوزن بحسابات السياسة، وقف الأردن أمام العالم بصوتٍ واضح لا يعرف التردد.
وقف جلالة الملك عبدالله الثاني في قلب الأمم المتحدة، وفي واحدة من أهم المنابر السياسية في العالم، ليحمل فلسطين في كلماته كما يحمل الإنسان قضيةً تسكن وجدانه، لا قضيةً تقع خلف حدوده.
كان لافتًا أن فلسطين لم تكن في خطاب الملك مجرد ملف من ملفات المنطقة، ولا بندًا عابرًا بين قضايا دولية كثيرة؛ بل حضرت بوصفها قضيةً في صميم الضمير الأردني.
وحين تستمع إلى الملك وهو يتحدث عن فلسطين، تشعر أن المسافة بين عمّان والقدس ليست مسافة جغرافية، وأن حدود الدول لا تستطيع أن ترسم حدود الانتماء.
ذلك هو الأردن الذي عرفناه.
الأردن الذي لم يتعامل يومًا مع فلسطين باعتبارها قضية شعب آخر، وإنما باعتبارها قضية عدل وحق وكرامة. والأردن الذي بقي، رغم تعاقب الأزمات وتبدل موازين السياسة، يرى في فلسطين قضية لا يجوز أن تسقط من ذاكرة العالم.
وفي خطاب الملك، كان الفخر أكبر من الكلمات؛ فأن يقف قائد دولة أمام العالم أجمع، ويجعل فلسطين في قلب حديثه، فهذا موقف يعبّر عن هوية دولة وشعب قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
لقد تحدث الملك عن الفلسطينيين، وعن حقوقهم، وعن دولتهم، وعن القدس، وعن معاناتهم، وكأن لسانه يقول للعالم: قد تتغير الحسابات، لكن فلسطين لا تتغير في وجدان الأردن.
وهنا تكمن عظمة الموقف.
فالأردن، رغم ما يواجهه من تحديات داخلية وإقليمية ودولية، لم يسمح بأن تتحول فلسطين إلى قضية منسية في زحام العالم. ولم يسمح بأن تصبح المأساة الفلسطينية مجرد خبر جديد في نشرات الأخبار.
بل بقي يقولها بوضوح:
فلسطين ليست قضية هامشية بالنسبة لنا.
وحين يكون المتحدث هو ملك، وحين تُقال هذه الكلمات من على منبر الأمم المتحدة، فإن الرسالة لا تكون مجرد رسالة شخص؛ إنها تعبير عن موقف دولة وشعب وذاكرة وطن.
نفتخر بملكٍ لم يحتج إلى المبالغة في الحديث عن فلسطين؛ يكفي أن حضورها في خطابه كان بهذا الوضوح.
ونفتخر بالأردن الذي لا يحتاج إلى أن يكون صاحب مصلحة مباشرة في كل قضية حتى يقف إلى جانب الحق فيها.
ونفتخر أكثر بأن فلسطين، رغم كل ما مرّ بها، ما زالت تجد في الأردن صوتًا يقول أمام العالم: إن للإنسان حقًا، وللوطن حقًا، وللقدس مكانةً لا تُختزل في السياسة.
قد يختلف العالم في تفسير الأحداث، وقد تتبدل التحالفات والمواقف، لكن هناك أشياء لا ينبغي أن تتبدل.
ومنها فلسطين.
فحين يتحدث الملك عن فلسطين بهذه الروح، فإننا لا نسمع خطابًا سياسيًا فحسب؛ بل نسمع شيئًا من تاريخ الأردن، وشيئًا من وجدان الأردنيين، وشيئًا من تلك العلاقة التي جعلت فلسطين حاضرة دائمًا في الذاكرة الأردنية.
سلامٌ على فلسطين، وسلامٌ على الأردن الذي بقي يقول للعالم، مهما تغيّرت الظروف: فلسطين في القلب، ولن تكون يومًا قضية عابرة.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ