الأربعاء , سبتمبر 23 2026 | 12:23 ص
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / مياه اليرموك سلاحا وصمتا: حقيقة التهديد الذي أشار له خطاب الملك عبدﷲ الثاني في الأمم المتحدة

مياه اليرموك سلاحا وصمتا: حقيقة التهديد الذي أشار له خطاب الملك عبدﷲ الثاني في الأمم المتحدة

فيلادلفيا نيوز

 

د. معتصم سعيدان- وزير المياه و الري الأسبق 

عمّان – 22 أيلول 2026

 

في الجزء الذي خصّه جلالة الملك عبدﷲ الثاني من خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لسوريا، لم تكن كل جملة تحمل الثقل نفسه. فحين قال جلالته إن سوريا “تمثل إنذارا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها”، وإن هناك “حقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية”، كان يصف، بلغة الدبلوماسية المقتصدة في الكلمات، واقعا ميدانيا موثقا بالتواريخ والأرقام والأسماء: احتلال إسرائيلي مباشر لأهم سد مائي في جنوب سوريا، وسيطرة متزايدة على الروافد التي يتغذى منها هذا السد، وتحكّم فعلي بنسبة تقترب من 40% من الموارد المائية في جنوب سوريا كله، بحسب معطيات ميدانية متطابقة نقلتها أكثر من وسيلة إعلامية عربية. وحين أضاف جلالته “أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي”، كان يترجم هذا الواقع التقني الجاف إلى موقف سياسي رسمي، مسجّل في محضر أعلى منبر دولي.

 

ولفهم معنى نسبة الـ40% هذه، لا بد أولا من فهم جغرافية اليرموك نفسه؛ فالنهر، الذي يبلغ طوله الإجمالي نحو 57 كيلومترا يقع 47 كيلومترا منها داخل الأراضي السورية، لا يتغذى من مصدر واحد بل من شبكة روافد رئيسية تتوزع بين شمال الحوض وشرقه وجنوبه. أهم هذه الروافد وأكبرها هو وادي الرقّاد، الذي ينبع مباشرة من هضبة الجولان المحتلة، ويليه في الأهمية وادي علان من الشمال، وواديا الإحريّر والزيزون من الشرق، ووادي الذهب (أو الزهب) الذي ينبع من جبل حوران جنوبا، إلى جانب عشرات الأودية الموسمية الأصغر التي تغذي هذه الروافد الرئيسية في مواسم الأمطار. وحين يقال إن إسرائيل تسيطر اليوم على 40% من الموارد المائية لجنوب سوريا، فإن المعنى العملي لهذا الرقم هو أنها تتحكم بمنابع أكبر هذه الروافد وأهمها استراتيجيا، وهو وادي الرقّاد، الذي كان أصلا خاضعا جزئيا لسيطرة إسرائيلية منذ احتلال الجولان عام 1967، إضافة إلى السدود المقامة على مسار هذه الروافد قبل أن تصب في اليرموك ثم في سد الوحدة عند الحدود الأردنية.

 

فبموجب اتفاقية تقاسم مياه اليرموك الموقعة بين الأردن وسوريا عام 1987، كان التدفق الطبيعي المتوقع للنهر يقدَّر بين 400 و500 مليون متر مكعب سنويا، على أن تحصل الأردن من هذا التدفق على أكثر من 200 مليون متر مكعب سنويا في حال التطبيق الأمثل للاتفاقية، مقابل سقف أقصى لعدد السدود التي يجوز لسوريا إنشاءها على الروافد حُدّد بين 24 و28 سدا فقط. لكن ما جرى فعليا على الأرض، عبر عقود متتالية وقبل أي دور إسرائيلي مباشر، هو أن سوريا أنشأت ما يقارب 49 سدا، أي ضعف السقف المتفق عليه تقريبا، إلى جانب حفر ما يقارب 3,500 بئر ارتوازي لضخ المياه من الحوض نفسه قبل وصولها إلى الأراضي الأردنية. ونتيجة تراكم هذه السدود على الروافد بالذات، لا على مجرى اليرموك الرئيسي وحده، لم تكن الكمية الفعلية الواصلة إلى الأردن تتجاوز في كثير من السنوات 50 مليون متر مكعب، بل انخفضت في بعض المواسم الجافة إلى ما بين 10 و30 مليون متر مكعب فقط، أي أقل من 15% من الحصة المستحقة. وتراجع معدل جريان النهر تبعا لذلك من نحو 16 مترا مكعبا في الثانية قبل الستينيات إلى ما يقارب متر مكعب واحد في الثانية فقط اليوم.

 

هذه هي الأرض المستنزفة أصلا التي وقفت عليها إسرائيل حين تحركت جنوبا. فبعد أيام معدودة من سقوط نظام بشار الأسد، سيطرت القوات الإسرائيلية في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2024 على الجانب السوري من سد الوحدة، المشروع المشترك الأردني السوري الذي تبلغ سعته التخزينية بين 110 و115 مليون متر مكعب، والذي تحمّلت الأردن الجزء الأكبر من تكلفة إنشائه البالغة نحو 100 مليون دولار، مقابل حصولها على 25% فقط من الطاقة الكهرومائية المولّدة منه في حين تحصل سوريا على 75%. ولم تتوقف السيطرة عند هذا السد، بل توسعت بحسب تقارير ميدانية متعددة لتشمل ما يقارب عشرة سدود أخرى في جنوب سوريا، من أبرزها سد المنطرة في محافظة القنيطرة الذي بلغ مستوى مياهه حدا خطيرا من الانخفاض مع إقامة سواتر ترابية تحجب وصول السكان المحليين إليه، وسد كدنا الذي تراجع إلى برك متفرقة لا تكفي للاحتياجات الزراعية، وسد الحجّة الذي جفّ تماما، إضافة إلى سدود متعددة على وادي الرقّاد نفسه، الرافد الأكبر لليرموك. وهذه المنظومة مجتمعة هي ما يفسر رقم الـ40%: فالسيطرة لا تنحصر في سد واحد، بل تمتد إلى شبكة كاملة من المنابع والسدود التي تشكل مجتمعة ما يقارب نصف الموارد المائية لجنوب سوريا، ونسبة مقاربة من الموارد التي كانت تصل تاريخيا إلى الأردن عبر الحوض ذاته، مع التأكيد أن هذه النسبة تبقى مؤشرا ميدانيا أوليا لا إحصاء رسميا معتمدا من هيئة دولية مستقلة.

 

والتهديد المائي الذي يقصده خطاب الملك يكمن بالضبط في هذا التموضع الجغرافي: فحين تسيطر إسرائيل على وادي الرقّاد ومنابعه في الجولان، وعلى سد الوحدة عند نهاية مسار النهر قبل الحدود الأردنية مباشرة، فإنها تصبح قادرة على التحكم بتوقيت وكمية المياه المتجهة جنوبا نحو الأردن من نقطتين مفصليتين في آن واحد، لا من نقطة واحدة كما كان الحال حين كان الخلاف محصورا بين عمّان ودمشق فقط. وهذا يعني أن أي أزمة أو ضغط سياسي مستقبلي قد يترجم مباشرة إلى تقليص إضافي في الكمية التي كانت أصلا متراجعة إلى أقل من 15% من حصة الأردن المستحقة، في بلد لا يتجاوز فيه نصيب الفرد من المياه المتجددة 61 مترا مكعبا سنويا، أي أقل من 6% من المتوسط العالمي البالغ نحو 1000 متر مكعب. ولا تبدو مؤشرات التهدئة قريبة؛ فبحسب تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، سجّلت القوات الإسرائيلية 65 عملية توغل في تموز/يوليو 2026 وحده، و52 عملية أخرى في الأيام الثمانية عشر الأولى من آب/أغسطس 2026، في خرق متواصل لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، بينما تبقى مباحثات إعادة هيكلة تقاسم حوض اليرموك بين عمّان ودمشق، الجارية منذ منتصف 2025، تفاوضا على مياه لا يملك أحد طرفيها مفاتيح منابعها الفعلية.

 

من هنا يكتمل المعنى السياسي لكلام جلالة الملك في نيويورك. فحين وصف النهج الإسرائيلي بأنه “خطوة محسوبة تلو الأخرى” يُختبر بها “إلى أي مدى يمكن الاستمرار”، فإن التسلسل الزمني لملف اليرموك، من سد واحد في كانون الأول 2024 إلى شبكة كاملة من الروافد والسدود بحلول 2026، يقدّم توضيحا حرفيا لهذه العبارة. وحين قال “أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا”، فإنه لم يكن يتحدث عن احتمال نظري، بل عن واقع جيولوجي وهندسي قائم بالفعل عند المنابع، ينتظر فقط أن يقرر المجتمع الدولي إن كان سيتحرك بشأنه أم يكرر معه صمته المعتاد.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com