الثلاثاء , مايو 12 2026 | 1:25 م
الرئيسية / stop / الأستاذ محمد ابو عودة … رجلٌ يشبه الأردن حين يتكئ على حكمته

الأستاذ محمد ابو عودة … رجلٌ يشبه الأردن حين يتكئ على حكمته

فيلادلفيا نيوز

كتب: ليث الفراية

في الأردن، لا يُقاس الرجال بما يقال عنهم، بل بما يُقال في غيابهم وبعض الأسماء، حين تُذكر، لا تُستدعى معها الحكاية فحسب، بل تُستدعى السكينة، كأن الذاكرة تعرف أن هذا الاسم مرّ من هنا دون أن يترك خدشًا في الروح العامة ورجل الأعمال الأردني الأصيل الأستاذ محمد ابو عودة “ابو سند” من تلك الأسماء التي لا تدخل السرد من باب التعريف، بل من باب المعنى؛ معنى الرجل الذي فهم الوطن بوصفه كيانًا أخلاقيًا قبل أن يكون مساحة، ومسؤولية وجدانية قبل أن يكون موقعًا.

في حضوره شيء من صبر الأرض الأردنية، وشيء من وقار الجبال التي لا تشرح نفسها، لكنها تبقى حيث لم يكن يومًا عابرًا في المشهد، ولا طارئًا على الفكرة العامة، بل تشكّل وعيه على مهل، كما تتشكّل القيم في البيوت التي تعلّم أبناءها أن الكرامة لا تُرفع بالصوت، وأن الاحترام لا يُفرض، بل يُكتسب بالثبات والصدق لذلك، ظل اسمه مرتبطًا بصورة الرجل الذي يعرف متى يتقدم، ومتى يترك للأشياء أن تنضج.

لم يتعامل ابو سند مع المجتمع بوصفه ساحة اختبار، بل بوصفه أمانة حيث كان يرى في الناس امتدادًا لذاته الوطنية، لا كتلة واحدة ولا أرقامًا صامتة، بل أفرادًا لهم قصصهم وهمومهم وحقهم في أن يُعاملوا بإنصاف فهذه النظرة الإنسانية جعلته قريبًا من الحسّ الأردني العميق، ذاك الحسّ الذي يرفض التكلّف، ويقدّر الصدق، ويمنح ثقته لمن يشبهه في البساطة والالتزام.

وفي سلوكه العام، يبرز مفهوم نادر للقيادة حيث قيادة لا تستند إلى الأمر، بل إلى المثال فلم يكن بحاجة إلى أن يشرح نفسه كثيرًا، لأن الفعل عنده كان أبلغ من الشرح هذه السمة بالذات هي ما جعلت حضوره مقبولًا في الوجدان العام؛ فالأردني بطبيعته لا يميل إلى الادعاء، ويصغي أكثر لمن يعمل بهدوء ويترك أثره دون أن يطالب بثمن معنوي.

وإذا كان لبعض الرجال قدرة على قراءة اللحظة، فإن أبو سند امتلك قدرة أعمق على قراءة الإنسان داخل اللحظة حيث لم ينشغل بالسطح، بل ذهب إلى الجوهر، إلى ما يحفظ التوازن الاجتماعي ويصون الكرامة العامة حيث كان يدرك أن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، وأن الثقة لا تُمنح إلا لمن يثبت أنه جزء من النسيج لا فوقه، وأنه معنيّ بالناس لا مستخدم لهم.

في البعد الوطني، لم يكن حضوره صاخبًا، لكنه كان واضحًا وضوح في الانتماء، في اللغة، في الموقف العام الذي ينحاز إلى الاستقرار والحكمة ولمّ الشمل وهذا ما ينسجم تمامًا مع المزاج الأردني الذي يفضّل الدولة المتوازنة على الانفعال، والعقل الهادئ على المغامرة غير المحسوبة وهنا، يصبح الرجل جزءًا من صورة الوطن التي نريدها ثابتة، عاقلة، ومتصالحة مع ذاتها.

أما إنسانيته، فلم تكن تفصيلاً إضافيًا، بل جوهرًا حيث تظهر في احترامه للاختلاف، وفي ميله إلى الحلول التي تحفظ كرامة الجميع، وفي إدراكه أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الفرض، بل في القدرة على الاحتواء فهذه القيم ليست طارئة على شخصيته، بل نابعة من فهم عميق لمعنى العيش المشترك في بلد صغير بحجمه، كبير بمعناه.

وحين ننظر إلى تجربته من زاوية فلسفية، نجد أننا أمام رجل أدرك أن الوجود العام لا يُقاس بالظهور، بل بالرسوخ، وأن القيمة لا تأتي من الاندفاع، بل من الاتزان فهذه الفلسفة، وإن لم تُكتب يومًا، إلا أنها تُقرأ في مساره، وفي الطريقة التي حافظ بها على مسافة أخلاقية بين الدور والذات، دون أن يفقد دفء الإنسان.

محمد ابو عودة ليس حالة فردية تُروى للتفاخر، بل نموذج وطني يُستحضر للتذكير تذكير بأن الأردن لم يقم على الصخب، بل على رجال عرفوا معنى الصبر، وحفظوا التوازن، ومرّوا من مواقعهم دون أن يجرحوا الذاكرة العامة فهو واحد من أولئك الذين يشبهون البلاد حين تكون في أفضل حالاتها؛ هادئة، وراسخة، وتعرف نفسها ولا تحتاج إلى تعريف ومن هنا، فإن الكتابة عنه ليست مدحًا، بل قراءة في معنى أن تكون أردنيًا حين يكون الانتماء سلوكًا، لا خطابًا.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com