فيلادلفيا نيوز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في علم ا لنسب لا قيمة لعلو الاسم إذا انقطع العمود، ولا وزن للمشجرات المزخرفة إذا غاب السند، لأن النسب في حقيقته ليس عاطفة، ولا شعارًا مذهبيًا، ولا أمنية تاريخية، وإنما اتصالٌ ثابت، وولادةٌ معلومة، وعقبٌ ظاهر، وشهادةُ عصر، ثم تواترٌ لا تنقطع حلقاته جيلاً بعد جيل. ولهذا أجمع أئمة هذا الفن قديمًا أن الأصل في الأنساب هو الاتصال لا الافتراض، والظهور لا الغيبة، والشهادة لا الدعوى.
ومن هنا يثور سؤال علمي خطير أمام ما يُتداول اليوم من شهادات نسب معاصرة تبدأ عمودها باسم محمد بن الحسن العسكري، ثم تُبنى فوق هذا الاسم عشرات الطبقات والأسر والبيوت، وكأن الأمر حقيقة تاريخية لا نزاع فيها، بينما النصوص التاريخية والنسابية القديمة تقول شيئًا آخر تمامًا.
فقد نقل شمس الدين الذهبي عن ابن حزم قوله الصريح:
«إن الحسن مات عن غير عقب.»
ولم يقف الأمر عند النقل المجرد، بل سرد الذهبي تفاصيل الدعوى التي أُثيرت بعد وفاة الحسن العسكري سنة 260هـ، حين ادعت جاريته الحمل، فأُوقف الميراث مدة، ثم—بحسب النص التاريخي—بطل الحمل، وانفش الأمر، واقتُسمت التركة بين الورثة الظاهرين. ثم ينقل الذهبي قول من زعم أن محمد دخل السرداب وهو ابن تسع سنين، وقيل دون ذلك. ثم يذكر أن ممن قال بانقطاع عقب الحسن العسكري أيضًا محمد بن جرير الطبري و**يحيى بن صاعد**.
وهنا لا نتحدث عن خصومة مذهبية، بل عن واقعة نسبية وقضائية وقعت في زمن الحدث نفسه. نزاع إرث، ودعوى حمل، وفحص معاصر، ثم حكم اجتماعي انتهى إلى عدم ظهور عقب ظاهر، وهي من أقوى الحجج التي يعتمدها أهل هذا الفن؛ لأن شهادة العصر مقدمة على دعوى المتأخر.
ومن هنا يحق للباحث المنصف أن يسأل: إذا كان أصل العمود قد نُظر فيه في زمنه، وتنازع الناس فيه، ثم انتهى الأمر عند جمهور من المؤرخين والنسابين إلى عدم ثبوت عقب ظاهر، فمن أين جاءت في عصرنا هذه الشهادات التي تبدأ بمحمد بن الحسن، ثم تقفز فوق أكثر من ألف عام دون وثيقة متصلة، ولا وقف، ولا صك، ولا ترجمة طبقية، ولا مشجرات معاصرة لكل جيل؟
أي منطق نسبي يقبل أن يُبنى عمود كامل على شخصية لم يثبت لها—بحسب هذه المصادر—زواج ظاهر، ولا بيت معلوم، ولا ولد معروف، ولا عقب متصل، ثم تأتي بعد قرون شهادة حديثة بخط جميل وختم رسمي لتقول: هذا فلان بن فلان إلى محمد بن الحسن؟ هل تغيرت قواعد النسب؟ أم أصبح الاعتقاد بديلاً عن الإثبات؟ وهل يجوز أن يتحول الخلاف العقدي إلى أصل يُبنى عليه حكم نسبي ملزم للناس؟
إننا هنا لا نحاكم معتقد أحد، فلكل مدرسة حقها في الاعتقاد بما تشاء، لكن علم النسب ليس علم العقائد، بل علم الإثبات. والنسب لا يقوم على الإيمان بالغيبة، ولا على انتظار الخارج من السرداب، ولا على الأدبيات السياسية المعاصرة، وإنما يقوم على رجل عاش، وتزوج، وأنجب، وعُرف ولده، ثم عُرف ولد ولده، حتى يصل العمود إلينا بلا انقطاع.
ولهذا فإن القاعدة العلمية التي يجب أن تعود إلى الواجهة اليوم واضحة لا لبس فيها:
كل شهادة نسب معاصرة بُنيت على عمود ثبت انقطاعه تاريخيًا، ولم يُقم مُصدرها السند المتصل طبقةً بطبقة، فهي شهادة لا تصح من جهة الإثبات النسبي، ولا تقوم بها الحجة العلمية.
فالأصل في النسب أن يُولد لا أن يُنتظر، وأن يُشهد له لا أن يُتخيّل، وأن يتصل لا أن يخرج من سرداب بعد ألف عام. وهنا يبدأ الفرق بين علم النسب… وصناعة النسب
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ