الأحد , مايو 10 2026 | 5:34 م
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : ‏وقف الأميرة منيرة آل فرحان سنة 1353هـ: ذاكرة البر بين الأحساء والرياض

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : ‏وقف الأميرة منيرة آل فرحان سنة 1353هـ: ذاكرة البر بين الأحساء والرياض

فيلادلفيا نيوز

الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏في زحمة الوثائق العقارية والوقفية التي تعكس بدايات تشكل الدولة السعودية الحديثة، تبرز هذه الوثيقة المؤرخة بسنة 1353هـ بوصفها شاهدًا حيًا لا على حركة الملكية فحسب، بل على عمق البنية الاجتماعية والأسرية والدينية التي قامت عليها الدولة في سنواتها الأولى. إنها وثيقة وقف صادرة عن الأميرة منيرة آل فرحان آل سعود، تكشف جانبًا إنسانيًا وحضاريًا قلّما يُلتفت إليه عند قراءة التاريخ السياسي، إذ تنقلنا من مجال السلطة إلى عالم الوفاء، ومن الإمارة إلى البر، ومن إدارة الدولة إلى صناعة الأثر الممتد بعد الرحيل.

 

‏تبدأ الوثيقة بصيغة الوقف الشرعية التي تحمل روح اليقين بالآخرة، ثم تمضي لتثبت أن الأميرة منيرة أوقفت عقارًا زراعيًا بطرف الطريبيل في الأحساء، وهو ما يدل على امتلاك الأسرة المالكة في تلك المرحلة لأصول زراعية منتجة، وأن الأرض لم تكن مجرد مورد اقتصادي، بل وعاءً لصناعة الخير واستدامته.

 

واختيار الأحساء تحديدًا ليس تفصيلًا عابرًا؛ فالأحساء في ذلك الزمن كانت من أهم المناطق الزراعية في الدولة، وغلتها الزراعية تمثل مصدرًا ثابتًا يمكن أن يقوم عليه وقف دائم لا ينقطع.

 

‏اللافت في الوثيقة أن ريع هذا الوقف لم يوجَّه إلى جهة عامة فقط، بل صيغ بمنطق الوفاء الأسري والذاكرة العائلية؛ فقد نصت الواقفة أن يُخرج من غلة العقار سبع ضحايا، وهو رقم يحمل دلالة شرعية واجتماعية، جُعلت عن زوجها الأمير عبدالله بن جلوي، أمير الأحساء وأحد أبرز رجال التأسيس والإدارة في شرق الجزيرة العربية، ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بتثبيت الأمن وبناء مؤسسات الحكم في المنطقة الشرقية.

 

ثم لم تكتف الواقفة بذلك، بل ضمّت إلى هذا البر ابنيها منه: فهد وعبدالعزيز، ثم والدتها نورة الدغيثر، لتتحول الوثيقة إلى شجرة وفاء مكتوبة بالحبر، لكنها تُروى كل عام بالذبح والإطعام والدعاء.

‏وهنا يظهر البعد الأعمق؛ فالوقف ليس مجرد صدقة جارية، بل وسيلة لحفظ الاسم داخل الذاكرة الاجتماعية.

 

فالذبيحة التي تُخرج كل عام ليست لحمًا فقط، بل رسالة تقول إن أصحاب هذا الوقف ما زالوا أحياء في دعاء الناس ومجالسهم وموائدهم.

 

‏لكن المفاجأة الأجمل في الوثيقة أنها لم تُبقِ البر محصورًا في الأحساء، بل مدّت أثره إلى الرياض؛ إذ خصصت شيئًا من غلة الوقف لـ مؤذن جامع الرياض، وكذلك لـ مسجد الظهيرة، وهو من أقدم مساجد قلب الرياض القديمة. وهذه الإشارة الصغيرة تحمل معنى كبيرًا؛ فهي تكشف أن العلاقة بين أطراف الدولة ومركزها لم تكن علاقة إدارة فقط، بل علاقة روح ومشاركة دينية واجتماعية. فغلة نخيل الأحساء كانت تصل لتخدم صوت الأذان في الرياض، وكأن الوثيقة تربط بين الماء في الشرق والصلاة في نجد.

‏ومن منظور تاريخ المرأة، تقدم هذه الوثيقة ردًا صامتًا على كل من يتصور أن المرأة في الجزيرة العربية كانت بعيدة عن صناعة القرار المالي والاجتماعي. فالأميرة منيرة هنا ليست مجرد وارثة أو زوجة أمير، بل واقفة، مدبرة، ومخططة لاستدامة الخير، تحدد الجهات، وتقسم الريع، وتبني أثرًا يتجاوز عمرها. إنها تمارس سلطة أخلاقية واقتصادية كاملة ضمن الإطار الشرعي والاجتماعي.

 

‏كما تكشف الوثيقة عن جانب آخر مهم، وهو أن الجيل المؤسس للدولة السعودية لم يكن منشغلًا فقط بتثبيت الحدود وإدارة السياسة، بل كان يؤسس أيضًا لـ اقتصاد الوقف العائلي، حيث تتحول الأملاك الخاصة إلى مؤسسات خيرية مصغرة تحفظ الذكر، وتربط الأسرة بالمجتمع، وتربط الثروة بالمسؤولية.

‏إن هذه الوثيقة ليست مجرد صك وقف؛ إنها نافذة على أخلاق جيل، وعلى فهم عميق لمعنى البقاء بعد الرحيل.

 

ففي سنة 1353هـ كانت أميرة من آل سعود تزرع في أرض الأحساء صدقة، لكن ثمرتها الحقيقية لم تكن في النخيل… بل في الذكر الجميل الذي ما زال يُقرأ بعد أكثر من تسعين عامًا.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com