الجمعة , يونيو 12 2026 | 8:24 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / (ستون عاماً من الصبر والوفاء: حين تُهديك “العمة” قطعةً من قلب التاريخ)

(ستون عاماً من الصبر والوفاء: حين تُهديك “العمة” قطعةً من قلب التاريخ)

فيلادلفيا نيوز

بقلم الصحفي عبدلله المجالي

​في حياة كل منا لحظاتٌ تتجاوز حدود الزمن وتتحول فيها الأشياء المادية إلى مقدسات وجدانية تختزل الهوية والحب ورائحة الأهل.

 

لعلّ من أبهى هذه اللحظات وأقربها إلى الروح تلك الساعات التي تقف فيها أمام هديةٍ ليست ككل الهدايا “خُرُجٌ” تراثي أصيل نسجته أصابع عمتي الغالية شقيقة والدي وحافظة عهد العائلة منذ قرابة ستين عاماً لتقدمه لي اليوم وكأنها تسلمني أمانة العمر ووثيقة الحب المنسوجة بالصبر والبركة.

​هذا “الخُرَج” بمطالع ألوانه البدوية ونقوشه الهندسية الضاربة في عمق تاريخنا وموروثنا ليس مجرد قطعة من الصوف المنسوج إنه ديوانٌ من الذكريات. فكل غرزة فيه تختبئ خلفها حكاية من حكايا “البيت القديم” ودعاءٌ دافئ صعد إلى السماء في ليالي الشتاء وصبرٌ جميل لامرأة أردنية أصيلة من زمن العز والبساطة. ستون عاماً وهذا العمل اليدوي يحتفظ بزهوه تماماً كما احتفظت عمّتي بصدق محبتها وفيض حنانها المتوارث كابراً عن كابر.

​حين تأتيك الهدية من عمتك شقيقة والدك فإنك لا تستلم قطعة قماش بل تستنشق فيها رائحة والدك وترى في ملامحها امتداد الجذور والنسب والأصل. إنها اللمسة التي تعيد وصل ماضينا الجميل بحاضرنا وتذكرنا بأننا نبتنا من أرضٍ طيبة تعشق الوفاء وتصون الوداد.

 

ولا يمكنني أن أنظر إلى هذا الخرج وتفاصيله دون أن تفوح في الأرجاء سيرة خالي العزيز وزوج عمتي المرحوم بإذن الله فلاح خليل المجالي “أبو إسحق”. هذا الخرج ولد وعاش في كنف بيتٍ أسسه خالي وعمتي معاً على المروءة والترحيب والفضل. وحين ألمس خيوطه تعود بي الذاكرة فوراً إلى ذلك الزمن الجميل وإلى هيبة خالي “أبو إسحق” ورحابته وضحكاته التي كانت تملأ البيت دفئاً وأماناً. إن هذا الأثر التراثي يحمل في طياته بركة دعواته وذكريات مجلسه الطيب ليكون شاهداً على حكاية وفاء جمعت بين عمةٍ صابرة خافقة بالود وخالٍ رحل وترك في قلوبنا أثراً لا يمحوه الزمن.

 

حين وضعتْ عمتي هذا الخرج بين يدي شعرتُ بأني أحمل تاريخاً كاملاً وأرثاً من الكبرياء والكرامة يفوق في قيمته كل كنوز الدنيا.

​في زمنٍ تسارعت فيه خطى الحداثة تأتي هذه اللفتة الكريمة لتعيد لقلوبنا الطمأنينة. هذا الخرج هو تجسيد للهوية الوطنية الحية، وصناعة يدوية تعكس عبقرية المرأة الأردنية وقدرتها على تحويل الصوف إلى لوحات فنية تحكي قصة الصمود والارتباط بالأرض. إن احتفاظ عمتي به طوال هذه العقود واختياري أنا بالذات لأكون مستودعاً لهذه الجوهرة هو طوقُ ياسمينٍ يطوق عنقي ومسؤولية كبرى للحفاظ على هذا الموروث الحيّ.

 

شُكراً لعمتي الغالية منبع الجود وجميل الأثر. شُكراً لأصابعكِ الطاهرة التي نسجت لنا دافئ المشاعر قبل ستين عاماً وللقلب الكبير الذي ما زال يغمرنا بالبركة والدعاء. سيبقى هذا “الخُرُج” تاجاً على رأس ذكرياتي وشاهداً حياً على عهد الحب الذي لا يبلى وصورةً مشرقة لزمن الأوفياء.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com