الجمعة , يوليو 17 2026 | 11:11 م
الرئيسية / stop / العناني استحضر ذاكرتنا… فاتهمناه بإهانة الوطن

العناني استحضر ذاكرتنا… فاتهمناه بإهانة الوطن

فيلادلفيا نيوز

الكاتب والمحلل الامني د. بشير الدعجه.

 

قبل أن أكتب أي كلمة… أقولها بوضوح ودون مواربة… أنا لا أعرف معالي جواد العناني شخصيًا… ولم ألتقه في حياتي… ولا يربطني به أي رابط… ولا أدافع عنه لاعتبارات شخصية أو سياسية أو اجتماعية… وكل ما يجمعني به أننا أبناء وطن واحد… لكنني أؤمن أيضًا بأن الإنصاف قيمة… وأن الاختلاف مع الأشخاص لا ينبغي أن يدفعنا إلى مصادرة حقهم في رواية تجربتهم الشخصية… أو تشويه أقوالهم قبل فهمها.

 

في كل مرة تُطرح فيها قضية تمس جانبًا من ذاكرتنا الاجتماعية… يتحول النقاش سريعًا إلى محكمة شعبية… لا تناقش الفكرة… وإنما تبحث عن متهم… وكأننا أصبحنا نعاقب من يتحدث… لا ما يتحدث عنه… ونهاجم الأشخاص… قبل أن نقرأ السياق… ونصدر الأحكام… قبل أن نستوعب المعنى.

 

ما قاله معالي جواد العناني… في حدود ما نُقل عنه… ليس اختراعًا للتاريخ… ولا إساءة للوطن… ولا انتقاصًا من الأردنيين… وإنما حديث عن مرحلة عاشها… وسردية شخصية يعرفها آلاف الأردنيين… فقد كانت الحمّامات خارج المنازل في كثير من القرى والبوادي والأرياف… وكان ذلك جزءًا من طبيعة البناء في تلك المرحلة… ولم يكن مدعاة للخجل… بل كان أمرًا اعتياديًا ارتبط بظروف عمرانية وصحية واجتماعية معروفة.

 

الغريب أننا لا ننزعج من التاريخ نفسه… بل ننزعج ممن يذكّرنا به… وكأن الحقيقة تصبح باطلة إذا مست حساسيتنا… أو خالفت الصورة التي نحب أن نرسمها عن الماضي… بينما الأمم الواثقة من نفسها… لا تخجل من تاريخها… بل تتعامل معه كما هو… بحلوه ومره… بنجاحاته وتحدياته.

 

لسنا بحاجة إلى تزوير ذاكرتنا حتى نحب وطننا… ولا إلى إنكار تفاصيل حياتنا القديمة حتى نفتخر بها… فالبيوت البسيطة ليست عارًا… والحمّام خارج المنزل لم يكن فضيحة… وإنما كان واقعًا عاشه كثيرون… ومن عاش تلك المرحلة يعرف ذلك جيدًا… ولا يرى فيه أي انتقاص من كرامته… أو من قيمة وطنه.

 

المشكلة الحقيقية ليست فيما قاله الرجل… وإنما في هشاشة قدرتنا على تقبل الرأي المختلف… فنحن أحيانًا لا نتحمل النقد… ونوارب الحقيقة… ونغضب من الوقائع أكثر مما نغضب من الأخطاء… ونخلط بين الكرامة الوطنية… وبين رفض أي رواية لا توافق مشاعرنا… مع أن الثقة بالنفس تبدأ من الاعتراف بالحقيقة… لا من الهروب منها.

 

كان الأولى بمن اختلف مع العناني… أن يناقش الفكرة بالحجة… وأن يقدم روايته المقابلة… لا أن يحول النقاش إلى معركة تخوين وتشويه… لأن المجتمع الذي يصادر السرديات الشخصية… إنما يصادر جزءًا من تاريخه… والمجتمع الذي يخشى الحقيقة… سيبقى أسير الانفعال… لا شريكًا في الحوار.

 

الوطن أكبر من حمّام داخل البيت أو خارجه… وأكبر من عبارة قيلت في مقابلة أو لقاء… والوطن لا تهزه رواية شخصية… وإنما تهزه العقول التي ترفض الحوار… وتستبدل النقاش بالصراخ… والمنطق بالاتهام… والحقيقة بردود الفعل الغاضبة.

 

دعونا نختلف… لكن بعقولنا… لا بانفعالاتنا… ودعونا نحاكم الأفكار… لا أصحابها… لأن الحقيقة لا تتغير إذا غضبنا منها… والتاريخ لا يُعاد تشكيله وفق ما يرضي حساسيتنا… بل يبقى كما كان… شاهدًا على زمن مضى… ودليلًا على مجتمع استطاع أن يتطور… دون أن يخجل من بداياته… وللحديث بقية.

 

#د. بشير _الدعجه

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com