الأربعاء , أغسطس 5 2026 | 12:24 ص
الرئيسية / stop / غياب الطالب عن ثالوث القرار الأكاديمي

غياب الطالب عن ثالوث القرار الأكاديمي

فيلادلفيا نيوز 

        الأستاذ الدكتور مخلد الطراونة

 

في خضم الجهود المتواصلة لتطوير منظومة التعليم العالي في الأردن، ومع إقرار مجلس النواب مؤخرًا لقانون معدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026، الذي ركز على إعادة هيكلة مجالس الأمناء وتعزيز الحوكمة على المستوى الأعلى، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين موقع الطالب من هذه العملية التطويرية؟ هل هو مجرد متلقٍ سلبي للقرارات التي تُصنع من فوق، أم أنه شريك فاعل وحقيقي في تشكيل بيئته التعليمية وصناعة مستقبله الأكاديمي؟

يمثل الطلاب الفئة الأكثر تأثرًا بالقرارات الصادرة عن مؤسساتهم الجامعية، سواء كانت أكاديمية تتعلق بالمناهج وطرق التقييم، أو إدارية تمس تنظيم العملية الدراسية اليومية. ومع أن القانون الحالي ينص على تمثيل الطلبة في مجلس الجامعة، إلا أن القرارات الجوهرية التي تمس الطالب مباشرة، كخطط الكلية الدراسية، ومعايير التقييم في الأقسام الأكاديمية، وآليات توزيع المقررات، تُتخذ في الغالب داخل مجالس الكليات ومجالس الأقسام ومجلس العمداء. وهذه المجالس، للأسف، تخلو تمامًا من أي حضور طلابي، مما يخلق فجوة واضحة بين موقع صنع القرار والفئة المستهدفة به، ويفوت على الإدارة الجامعية فرصة الاستفادة من الرؤية الثاقبة التي يمتلكها الطالب بصفته “المرآة” التي تعكس واقع العملية التعليمية.

من هنا، يبرز مقترح تطويري جوهري يتمثل في توسيع دائرة المشاركة الطلابية لتشمل هذه المجالس الحيوية، وبصيغة لا تتعارض مع طبيعة العمل الأكاديمي المتخصص، ألا وهي صفة “العضو المراقب”، مع الإبقاء على استثناء مجلس الأمناء نظرًا لطبيعته الاستراتيجية والمالية العليا التي تتطلب خبرات متخصصة. وهذا المقترح ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو مطلب منطقي تدعمه مبررات قوية على عدة مستويات، ويأتي في وقت أقر فيه القانون المعدل توسيع نطاق تطبيقه ليشمل الكليات الجامعية والكليات المتوسطة، مما يجعل الحاجة إلى تمثيل طلابي في هذه المؤسسات أكثر إلحاحًا.

على المستوى الأكاديمي والإداري، إن حضور الطالب كمراقب في هذه المجالس من شأنه أن يعزز بشكل كبير من مستويات الشفافية والثقة المؤسسية داخل الجامعة. فعندما يرى الطالب أن القرارات المصيرية التي تمس مستقبله تُناقش بحضوره، وأن بإمكانه الاستماع إلى مبرراتها ومناقشتها، فإن ذلك يولد لديه شعورًا بالعدالة والانتماء، ويحد من حالات الاحتجاج أو سوء الفهم التي كثيرًا ما تنشأ بسبب غياب المعلومة. كما أن الطالب، بوصفه الطرف الذي يواجه المناهج واللوائح يوميًا، يمكنه أن يقدم ملاحظات عملية دقيقة حول الثغرات التطبيقية التي قد لا يدركها الأساتذة أو الإداريون، مما يسهم في تحسين جودة القرارات الأكاديمية وجعلها أكثر واقعية وفعالية.

على المستوى الوطني والإنساني، إن إشراك الطلبة في هذه المجالات يعد استثمارًا حقيقيًا في بناء مواطن فاعل ومؤثر. فالمشاركة في صنع القرار، حتى ولو بصفة مراقب، تعزز لدى الطالب مهارات القيادة والتفكير النقدي والحوار المسؤول، وتعدّه ليكون عنصرًا فاعلاً في المجتمع بعد التخرج. كما أن هذا النهج يضع الجامعات الأردنية في مصاف المؤسسات الأكاديمية العالمية التي تتبنى مبدأ إشراك الطلبة في لجان ضمان الجودة ومجالس الكليات، مما يعزز من مكانتها ومصداقيتها دوليًا.

وإذا كانت بعض الأصوات قد تتحفظ على هذا المقترح بدعوى أن الطلبة غير مؤهلين لخوض غمار القرارات الأكاديمية والإدارية المتخصصة، فإن الرد على هذا التحفظ يأتي من خلال الصيغة المقترحة نفسها، وهي صفة العضو المراقب التي لا تمنح الطالب حق التصويت، بل تقتصر على حق الحضور، والاطلاع على جدول الأعمال، وحق التحدث وإبداء الرأي في البنود التي تمس شؤون الطلبة، دون أن يكون له أي تأثير على جوهر القرارات المتخصصة، وهي الصيغة التي تحقق التوازن المطلوب بين الإشراك الفاعل والحفاظ على الكفاءة الأكاديمية.

أما بخصوص استثناء مجلس الأمناء من هذا المقترح، فهو استثناء مبرر تمامًا، حيث يفترض ان يختص هذا المجلس بقضايا استراتيجية ومالية عليا، كالموازنات العامة، وخطط التطوير المؤسسي الكبرى، وسياسات الاستثمار والعقود الكبيرة. وقد ركز القانون المعدل بشكل خاص على إعادة تشكيل مجالس الأمناء وتعزيز دورها في رسم السياسات العامة للجامعات واختيار رؤسائها، وهي موضوعات تتطلب خبرات متخصصة وخلفية إدارية ومالية عميقة، وهي خارج نطاق معرفة الطالب العادي. كما أن تمثيل الطلبة في مجلس الجامعة يظل هو القناة المناسبة للتأثير على القرارات الاستراتيجية الكبرى.

إن ترجمة هذا المقترح إلى واقع ملموس تتطلب عدة خطوات عملية، تبدأ من تعديل تشريعي في قانون الجامعات الأردني يلزم مجالس الكليات والأقسام ومجلس العمداء باستقبال عضوين طلابيين مراقبين يتم اختيارهم من قبل الجسم الطلابي او حسب المعدل التراكمي على مستوى كلياتهم. كما تتطلب إصدار تعليمات تنظم حضورهم وآليات طرح الأسئلة وسرية بعض المعلومات إن لزم الأمر، إضافة إلى تقديم برامج تدريبية مكثفة للطلبة المنتخبين حول أساسيات الحوكمة الأكاديمية لضمان فعالية مشاركتهم.

في الختام، إن إشراك الطلبة كأعضاء مراقبين في مجالس الكليات والأقسام ومجلس العمداء ليس مجرد منحة أو امتياز، بل هو استثمار حقيقي في جودة التعليم العالي الأردني وفي مستقبل شبابه. إنه إقرار بأن الطالب ليس مجرد رقم في سجل أكاديمي، بل شريك حقيقي في بناء مؤسسته، وفي صناعة مستقبلها. وبقدر ما تتحلى الجامعات بجرأة التغيير، بقدر ما تكسب ثقة أبنائها وتواكب التطور العالمي في الحوكمة الرشيدة. لذا، ندعو القيادات الأكاديمية، ولجنة التربية والتعليم النيابية، وكل المعنيين بشأن التعليم العالي في المملكة، إلى تبني هذا المقترح، وجعله بابًا لجامعات أردنية أكثر شفافية وفاعلية وإنسانية، لأن تطوير التعليم العالي لا يقتصر على تحديث المناهج أو زيادة المختبرات، بل يبدأ بإعادة النظر في كيفية إدارة القرار، ومن يشارك فيه. صوت الطالب ليس مجرد صوت، بل هو نبض المؤسسة التعليمية ذاتها.

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com