فيلادلفيا نيوز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في بعض الأحيان لا تحتاج الوثيقة التاريخية إلى فرمان سلطاني أو معاهدة سياسية حتى تُصبح ذات قيمة حضارية؛ فربما يكفي سطرٌ تجاري عابر كُتب على هامش دفتر حسابات قديم ليكشف روح عصرٍ كامل، وحركة سوق، وشبكة علاقات اقتصادية واجتماعية امتدت بين موانئ البحر الأحمر وأسواق الحجاز.
”ومن هذا الباب تأتي هذه الورقة التجارية المؤرخة في 29 شعبان سنة 1329هـ، والتي يظهر فيها نص بخط اليد يقول:
“المشترى من الحاج سرور الصبان … بن قهوة عدد 7 كيس”
وهي عبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها دلالات واسعة عن طبيعة التجارة في جدة المينائية في أواخر العهد العثماني، وعن حضور عائلة الصبان في النشاط التجاري الحجازي قبل أن تبرز لاحقًا في ميادين الفكر والإدارة والأدب.
فالاسم الوارد هنا: الحاج سرور الصبان، هو جدّ معالي الوزير والأديب المعروف محمد سرور الصبان، أحد أبرز رجالات الحجاز في القرن الرابع عشر الهجري، والذي جمع بين الثقافة والإدارة والعمل العام، وتولى مناصب رفيعة، قبل أن يختم مسيرته أمينًا عامًا لـ رابطة العالم الإسلامي.
وتكشف هذه الورقة أن تجارة البن والقهوة كانت جزءًا من دورة اقتصادية يومية في جدة، المدينة التي لم تكن مجرد ميناء لعبور الحجاج، بل مركزًا ماليًا وتجاريًا يتدفق عبره البن اليمني، والبضائع الهندية، والبهارات، والمنسوجات، والورق، والأقمشة، وسلع البحر الأحمر.
ولعل اللافت في النص استخدام عبارة “بن قهوة”، وهي من التعبيرات التجارية الدارجة في تلك المرحلة، حيث كان البن يُعد من السلع الأساسية ذات التداول العالي، ويُقاس بالأكياس والأحمال، لا بالوحدات الصغيرة الحديثة. أما عبارة “عدد 7 كيس” فتعكس نمط التسجيل المحاسبي المباشر الذي كان يُستخدم في دفاتر التجار قبل انتشار النماذج المطبوعة الحديثة.
كما أن شكل الخط، وطبيعة الورقة، وآثار الاستعمال التجاري، كل ذلك يمنح الوثيقة صدقها الزمني؛ فهي ليست نصًا مُعدًا للاستعراض، بل صفحة من دفتر عمل يومي، كُتبت لتوثيق بيع وشراء حقيقي داخل السوق الجداوي قبل أكثر من قرن.
ومن الناحية الحضارية، فإن هذه القصاصات الصغيرة تُعيد إلينا صورة جدة القديمة باعتبارها مدينة تجار وعائلات بحرية وثقافية، لا مجرد ميناء عابر. ففي تلك الأزقة والأسواق تشكلت طبقة من الأعيان والتجار الذين لعبوا لاحقًا أدوارًا سياسية وثقافية مؤثرة في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث.
ولذلك فإن قيمة هذه الورقة لا تكمن في ثمن “سبعة أكياس بن” فقط، بل في كونها شاهدًا حيًا على اقتصاد الحجاز، وعلى استمرارية الأسر التجارية، وعلى التحول الذي نقل بعض أبناء البيوت التجارية من دفاتر السوق إلى ساحات الفكر والدولة والعمل الإسلامي العالمي.
وهكذا تحفظ لنا الأوراق الصغيرة ما تعجز أحيانًا عن حفظه الكتب الكبرى؛ إذ يبقى الهامش التجاري شاهدًا على حركة المجتمع، وذاكرة الناس، ورائحة القهوة التي عبرت البحر لتصنع تاريخ مدينة كاملة.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ