الأربعاء , يونيو 10 2026 | 9:24 م
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / وجهاً لوجه: كيف يهزم الامتحان الشفهي الغش التقني؟

وجهاً لوجه: كيف يهزم الامتحان الشفهي الغش التقني؟

فيلادلفيا نيوز

ا.د مخلد سليمان الطراونه

في زمن تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، وتنتشر فيه أدوات الغش التقنية كالهواتف المحمولة الذكية، والساعات الإلكترونية، والسماعات الدقيقة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT، باتت النزاهة الأكاديمية تواجه أزمة حقيقية تهدد جوهر العملية التعليمية. لطالما اعتمدت المؤسسات التعليمية على مجموعة من الإجراءات للحد من الغش، مثل منع دخول الهواتف، تركيب كاميرات مراقبة، استخدام أجهزة تشويش، وتوظيف مراقبين إضافيين، لكن الواقع يقول إن منع الموبايل بالتشويش يكاد يكون”قانونياً” مستحيلاً في أغلب السياقات، فالطلبة يبتكرون طرقاً لا حصر لها لإخفاء أجهزتهم. أما الحلول التقنية المتطورة، مثل برامج مراقبة الاختبارات عن بعد وأجهزة كشف المعادن، فهي ليست فقط مكلفة من الناحية المادية، بل تحتاج أيضاً إلى خبرات فنية لتشغيلها وصيانتها، كما أنها تظل قابلة للاختراق. وهذا يعني أن السبيل الوحيد لإعادة النزاهة ليس في سباق تسلح تقني مع الطلبة، بل في تغيير جذري في فلسفة التقييم نفسها، والاتجاه نحو الامتحانات الشفهية كحل قديم-جديد، قديم لأنه كان أساس التقييم في الحضارات التعليمية الكبرى من المدارس الأفلاطونية إلى الحلقات المسجدية، وجديد لأنه يقدم إجابة فعالة عن تحديات العصر الرقمي.
في هذا السياق، تبرز التجربة الروسية المعروفة بـ”نظام البطاقات” كنموذج متكامل ناجح يمكن الاقتداء به، وهو نظام متجذر في الجامعات الروسية منذ الحقبة السوفيتية وما زال يُطبق حتى اليوم، بل عاد مؤخراً إلى الواجهة كإجراء مضاد لانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث صرّح وزير التعليم الروسي، فاليري فالكوف، بأن العودة إلى الامتحانات الشفهية هي “عودة إلى جذور التعليم العالي” في عصر الذكاء الاصطناعي. تقوم الآلية على قيام أساتذة المادة بإعداد مجموعة من البطاقات، يتراوح عددها بين 20 و50 بطاقة، تغطي جميع أهداف المقرر ومحتوياته، وتحتوي كل بطاقة على أسئلة متكاملة، كسؤالين نظريين ومسألة تطبيقية واحدة مثلاً. في موعد الامتحان، يُستدعى الطالب لسحب بطاقة واحدة بشكل عشوائي، مما يحقق العدالة ويجبره على الاستعداد للمادة كاملة. يُمنح الطالب بعدها فترة زمنية محددة لتجهيز إجاباته، ويُقترح أن تكون ربع ساعة (15 دقيقة) يمكن تعديلها حسب صعوبة المادة، وخلال هذا الوقت يجلس الطالب بمفرده ويكتب ملاحظاته الرئيسية دون استخدام أي مصدر خارجي أو جهاز إلكتروني. بعد انتهاء وقت التحضير، يمثل الطالب أمام لجنة الامتحان التي تتكون عادة من اثنين أو ثلاثة من أساتذة المادة، ويبدأ بعرض إجاباته شفهياً بأسلوبه الخاص وبحسب ما فهمه، ويستغرق هذا العرض ما بين 10 إلى 20 دقيقة. ثم تأتي اللحظة الجوهرية، حيث تبدأ اللجنة بطرح أسئلة استقصائية تعمق وتوسع، مثل المطالبة بالعلاقة بين فكرة وأخرى، أو تطبيق مبدأ على حالة مختلفة، أو تحديد مواطن الضعف في نظرية معينة، وهذه الأسئلة تكشف بسرعة عما إذا كان الطالب يمتلك فهماً حقيقياً أم أنه يحفظ جملة من المعلومات، ولا يمكن لأي هاتف أو سماعة أو تطبيق ذكاء اصطناعي أن ينقذه في هذه اللحظة لأن السؤال غير متوقع والإجابة تحتاج إلى تفكير أصيل في الحال.
ولكي يكون هذا النظام متوازناً وعادلاً، يُقترح تخصيص سقف 40 علامة للامتحان الشفهي النهائي، على أن تُوزع النسبة المتبقية وقدرها 60 علامة على أنشطة تقييمية مستمرة وأكثر أماناً، مثل المشاريع الفصلية التي تنجز تحت الإشراف المباشر، والواجبات البحثية القصيرة التي يدافع فيها الطالب عما كتبه، والامتحانات التحريرية القصيرة تحت المراقبة، والنشاط الصفي والحضور والمناقشات. هذا التوزيع يحقق ثلاث فوائد كبرى: أولاً، يجعل الامتحان الشفهي هو بوابة النجاح الأساسية دون أن يلغي أهمية العمل المستمر؛ ثانياً، يوزع المخاطر على الطالب فلا يكون مصيره معلقاً بلحظة واحدة؛ ثالثاً، يصعّب على من تسول له نفسه الغش، لأنه حتى لو نجح في الغش في الأنشطة الأخرى فإنه سيفشل حتماً في الامتحان الشفهي الذي لا يمكن تزييفه، مما يخلق رادعاً نفسياً قوياً. لا يمكننا أن نتجاهل التحديات التي قد تواجه تطبيق هذا النظام، مثل كثرة الأعداد الكبيرة من الطلبة، لكن الحل يكمن في تفريع اللجان والامتحان على مدار أيام متعددة، وأيضاً ذاتية التقييم التي يمكن ضبطها بوضع معايير واضحة (روبركات) وتدريب الأساتذة عليها، وكذلك الضغط النفسي على الطلبة الذي يمكن التخفيف منه بإجراء امتحانات شفهية تجريبية صغيرة أثناء الفصل الدراسي وتهيئتهم نفسياً. والأجمل من ذلك أن هذا النظام يتمتع بانتماء عميق للتربية العربية والإسلامية الأصيلة، حيث كان التعليم يقوم على “الإجازة” الشفهية بين الطالب وشيخه، في حوار علمي ونقاش معرفي، وهذه الروح هي ذاتها التي نحتاج إلى إحيائها، لتعيد الاعتبار لمكانة الأستاذ وتُعيد الثقة بين طرفي العملية التعليمية. إن العودة إلى هذا الجوهر الأكاديمي، القائم على اللقاء المباشر بين الطالب والمعلم، وتخصيص الامتحان الشفهي بنظام البطاقات الروسي وبسقف 40 علامة، هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة بالشهادات والمخرجات التعليمية، وضمان أن يكون التقييم مرآة صادقة للكفاءة الحقيقية، لا انعكاساً لبراعة تقنية في التلاعب والغش. فإما أن نستمر في محاربة الغش بوسائل تنبئنا مقدماً بفشلها، وإما أن نعود إلى الجوهر: وجهاً لوجه، عين في عين، أستاذ وطالب، حوار ومعرفة. هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة الأمور الأكاديمية إلى نصابها الحقيقي.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com