فيلادلفيا نيوز
الشريف خالد عبد الرحمن أبلج الرسي الحسني
عضو الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
يمثل رجل الأمن السعودي أثناء موسم الحج ظاهرة إنسانية إيمانية فريدة تستحق الدراسة والتوثيق. فهو لا يؤدي وظيفة أمنية فحسب، بل يقوم بعبادة خدمة متكاملة الأركان، تتجلى فيها معاني الإيثار والصبر والرحمة، رغم ما يكابده من شدة الحر، وضغط الحشود، واختلاف الثقافات والأمزجة. فكيف استطاع هذا الجندي أن يضرب أنموذجاً لا نظير له بين جنود العالم؟ أولاً: التأسيس الشرعي فقه الاحتساب إن سر صبره وابتسامته يكمن في تحويله العمل الوظيفي إلى عبادة محضة، مصداقاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وخدمة ضيوف الرحمن هي من أعظم صور البر والتقوى.
وفي السنة، قال ﷺ: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” [متفق عليه]. فكل إرشاد لحاج تائه، وكل تنظيم لصف، وكل كوب ماء يقدمه، هو في ميزان “قضاء حوائج الناس” الذي هو أحب الأعمال إلى الله. ومن هنا جاء “الاستعداد الداخلي” لديه، وهو ما يسمى فقهياً نية الاحتساب، فهو لا ينتظر مقابلاً دنيوياً، بل يجدد نيته كل لحظة: “اللهم احتسبت تعبي هذا عندك”.
وهذا يفسر لماذا يبتسم رغم التعب، لأن الأجر يُهوّن المشقة. ثانياً: ظروف الابتلاء لأن رجل الأمن يواجه في الحج رباعية ضغوط لا تجتمع في أي ميدان آخر: أثر نفسي وجسدي وعصبي وبيئي يتمثل بشدة الحر تتجاوز 45° مئوية، والعمل 12-16 ساعة متواصلة وإجهاد حراري وجسدي وضغط بشري بكثافة حشود تتجاوز 2 مليون نسمة في مساحة محدودة وضغط عصبي وخوف من التدافع وضغط ثقافي في التعامل مع أكثر 180 جنسية، بلغات وأعراف وأمزجة مختلفة وإرهاق تواصلي وذهن يضغط شخصي والدين طاعنين في السن، أو مريض يشغل فكره، أو ديون تكابده صراع وجداني وشوق للأسرة ومع ذلك، نراه “قريباً من الناس، مبادراً، متعاوناً”.
وهذا يقودنا إلى المفهوم الثالث. ثالثاً: فقه الأولويات في تغليب نداء الواجب على نداء الحاجة هنا تتجلى عظمة هذا الجندي. فهو يمارس ما أسماه علماء النفس “التسامي”، أي تجاوز الحاجة الشخصية لأجل قيمة عليا. لقد ترك والده المريض، وولده الصغير، وحاجته للراحة، استجابة لـ “نداء الإيمان والواجب”.
وهذا هو المعنى الحقي لقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] فعهده مع الله أن يحفظ أمن الحرم، وييسر على الحاج نسكه، فقدم هذا العهد على كل عهد.
رابعاً: التوجيهات الرسمية كإطار حاضن لم يأتِ هذا الأداء من فراغ، بل هو نتاج توجيهات رسمية رفيعة ترسخ هذه القيم: تؤكد القيادة السعودية دائماً أن “خدمة الحاج شرف، وأمنه أمانة”.
وهذا يرفع العمل من خانة “الوظيفة” إلى خانة “الشرف الوطني والديني”. والتدريب الاحترافي لبرامج “حجاج بلا متاعب” و”حسن التعامل مع الثقافات” التي تنفذها وزارة الداخلية، تغرس في الجندي مهارة “الابتسامة الوظيفية” و”الصبر الاستراتيجي”.
وكذلك المنظومة التحفيزية: التكريم الملكي، والترقيات الاستثنائية لمن يتميز في خدمة الحجاج، تثبت أن الدولة تعامل هذا العمل كعبادة قبل أن تكون مهمة.
وهنا نتسائل: لماذا هو أنموذج فريد عالمياً؟ الجندي في أي جيش في العالم مُدرّب على المواجهة والصرامة، لكن جندي الحرم مُدرّب على “الرحمة المنضبطة”.
العالم يرى الجندي سلاحاً، ونحن نراه “رحمة تمشي على قدمين”، العالم يرى الحشود خطراً، وهو يراها “ضيوف الرحمن”.
العالم يرى التعب عائقاً، وهو يراه “أجراً يُحتسب”، لذلك، فإن ابتسامته وسط الحر والزحام ليست مجرد “سلوك مهني”، بل هي “آية إيمانية”، و “برهان عملي” على أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، هانت المشاق، وسهلت الصعاب.
كما قال الإمام ابن القيم: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم… وتأتي على قدر الكرام المكارم”. ورجال الأمن في الحج هم من كرام هذه الأمة. نسأل الله أن يتقبل منهم، وأن يجعل تعبهم في ميزان حسناتهم، وأن يحفظهم ذخراً لهذا الوطن.
إن “الرحمة المنضبطة” نقرأها في السلوك الميداني من خلال المشاهدة كبرهان على الأخلاق الاحتسابية التي تتحول فيها النظرية الأمنية إلى أخلاق نبوية تمشي بين الناس.
ونرصد تجليات علمية لفكرة الرحمة المنضبطة عند رجل الأمن السعودي: يتجلى الإيثار الجسدي في حمل الطاعن في السن ونرى الجندي من تلقاء نفسه، لا يدفعه أمر مباشر ولا رقابة، إلا الإحساس الديني والتوجيه القيادي المتأصل في وجدانه.
فينحني ظهره ليحمل شيخاً طاعناً في السن على ظهره متجاوزاً به الزحام. هذا ليس “عملاً وظيفياً” بل إيثاراً جسدياً يخالف غريزة حفظ الطاقة. وتفسيره نفسياً هو تسامي الدافع من دافع الأجر الوظيفي إلى دافع الأجر الإلهي المذكور في قوله ﷺ: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” [مسلم].
أي مشهد هذا الذي يحمل فيه حامي الحمى ضعيف الخلق؟ لن تجده إلا هنا. والمبادرة الخدمية تجد آخر يبادر بأخذ عربة عليها مقعد متحرك، لا ليسير بها، بل ليخفف عن الدافع تعبه، ثم تجده يتحول من منظم للسير إلى مساعد في السير.
هذه مشاهدة نادرة في السلوك الوظيفي العسكري. فالأصل في الجندي تنفيذ الأمر، لكن هنا نراه يخلق المهمة من ذاته، مصداقاً لقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
المسارعة هنا ليست للصلاة فقط، بل لكل باب خير. وتتجلى الرحمة الحسية في رش الماء وتحريك الهواء، فتجد من يمسك برشاش الماء “الرذاذ” ليرطب وجه الحاج ويبرد جسمه تحت لهيب الشمس، وغيره يهز مروحة يدوية ليحرك الهواء لمن أنهكه التعب. ويتجاوز أصل المهمة الأمنية في تطبيق عملي لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وتجسيد لمعنى “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” [الترمذي]. فهو لم يكتفِ بحفظ الأمن، بل حفظ الكرامة والراحة الجسدية.
و”كسر هيبة السلاح” في قرب الأطفال ومحبتهم في أعجب المشاهد وأدلها: أن تجد الأطفال يهرعون إليه بلا خوف، يتعلقون ببنطاله، يبتسمون له، يطلبون التصوير معه. وهذه ظاهرة كسر الحاجز النفسي. فالأصل أن رجل الأمن يخشاه الكبير قبل الصغير لرمزية السلطة والسلاح.
لكن هنا انقلبت المعادلة، فتحول السلاح إلى أمان، والزي العسكري إلى صدر حنون. وهذا هو مصداق قوله ﷺ عن نفسه: “إنما أنا لكم بمنزلة الوالد” [أبو داود]. فالأطفال بفطرتهم لا يألفون إلا من يألفهم، ولا يحبون إلا من يحبهم.
فابتسامته الصادقة وصلت لقلوب لا تعرف النفاق. ولاننسى المشاركة الوجدانية في الدعاء والتهنئة، رجل أمن يدعو للحاج: “حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً”، ومثله يهنئ من أنهى المناسك وكأنه هو من طاف وسعى، فيشاركه الفرحة بصدق. هذا في أعلى مستويات الوجدانيات، فهو لم يتعامل مع الحاج كرقم في إحصائية، بل كأخ أنجز عبادة عظيمة.
وهذا هو فقه المواساة الذي علمنا إياه النبي ﷺ في قوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد” [متفق عليه]. وهنا نتسائل بحق: أي موطن هذا الذي يغرس في جنديّه معنى “الأبوة” قبل “السلطة”؟ وأي شعب هذا الذي يربي أبناءه على أن “خدمة الحاج شرف لا يعدله شرف”؟ وأي قيادة هذه التي تحول التوجيه من “حافظ على الأمن” إلى “ارحم الناس ويسّر عليهم”؟ وأي رجل أمن هذا الذي جمع بين “هيبة الدولة” و”حنان الأب” في قلب واحد؟ الجواب: إنه الوطن الذي قام على التوحيد، فكان شعاره “لا إله إلا الله” قبل أن يكون شعاره الأمني.
إنه الشعب الذي رضعت أجياله من سيرة الأنصار الذين آثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، هو حارس الحرم الخادم للحاج، وهو الهيبة التي تحمي والقلب الذي يرحم، وهو الجندي بعقيدة الأنصار، وهو من يحرس الحرم ويرى في تعبك أجراً وفي دمعتك عبادة، وهو من يحملك في كل حالاتك ليقول لك “حجاً مبروراً”، وهو رحمة تمشي على قدمين في أقدس بقاع الأرض، من يحمل إباء الأمة في ملحمة الإيثار.
إنها القيادة التي فهمت أن أمن الحرم لا يتحقق بالعصا وحدها، بل بالقلب قبل العصا. رجل الأمن السعودي في الحج ليس “موظفاً” يؤدي دواماً، بل هو “عابد مجاهد” في ميدان من أصعب ميادين الجهاد: جهاد النفس على الصبر، وجهاد الجسد على التعب، وجهاد القلب على الرحمة وسط الزحام.
لقد ضرب أنموذجاً فريداً لا يُقاس بمعايير الجيوش العالمية، لأن معياره ليس “القوة النارية”، بل “القوة الرحمانية”. معيار لا يفهمه إلا من آمن أن خدمة ضيف الرحمن هي في حقيقتها خدمة للرحمن. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل ما يقدمون في ميزان حسناتهم، وحفظهم ذخراً لهذا الدين وهذا الوطن.
{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20]

فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ