الخميس , أبريل 30 2026 | 6:26 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / الانتحار.. بشر التكريتي

الانتحار.. بشر التكريتي

فيلادلفيا نيوز – بشر التكريتي

السيارات تسير بسرعة عالية تحت الجسر، وأضواؤها تبعث الطمأنينة في الليل، والرياح الناعمة تدخل إلى أعماق الروح من غير إذن، والقمر المتكامل في السماء يبدو كلوحة لفنان عظيم، والنجوم المتناثرة المتألقة تنثر جمالها على العين الناظرة إليها. كل ذلك جعل الرومانسية أقرب إلى أحضان هذه الليلة الرائعة.

لا أحد يقف على جسر المشاة في هذه الليلة. معظم الناس لا تفضل المشي عليه في الليل لكثرة حوادث الانتحار التي حصلت عليه. أصبح الجسر رمز شؤم للجميع، لكن آدم لا يراه بالطريقة نفسها. له مع هذا الجسر قصص وحكايا احتفظ بها لنفسه، يأتي كل يوم إلى هذا الجسر وحيدًا، وأصبحت صداقته قديمة جدًا مع هذا الجسر.

حوادث الانتحار في ازدياد مستمر، وكل سنة تكون أصعب من التي قبلها على جسر المشاة، لكن آدم لا يتأثر بهذا، لأنه يعلم أكثر من أي شخص على وجه الأرض دوافع الانتحار وما هي الأسباب التي تؤدي إليه.

عند جلوس آدم على هذا الجسر، يحاول دائمًا أن يفكر في سبب واحد يجعله يستمر في الحياة، سبب واحد يقنعه ويجعل لحياته قيمة معنوية، سبب يجعله يحب كل شيء حوله، سبب يقنعه أن كل شيء جميل، سبب يبعث التفاؤل فيه من جديد ويمده بالطاقة الإيجابية، سبب يجعله يتخلى عن كل شيء سلبي حوله.

أصبح الجلوس كل يوم على جسر المشاة، أو كما شاعت التسمية “جسر الانتحار”، عملاً روتينيًا لآدم.

نظر آدم من أعلى الجسر إلى الأسفل وقال في نفسه:

متى سيأتي اليوم الذي سأمتلك فيه القوة لأقفز من أعلى الجسر، وأقضي على كل الخوف الذي بداخلي، وأتخلص من القلق والحياة الصعبة التي أعيشها، وأقضي على كل محاولاتي الفاشلة للعيش بسلام وطمأنينة؟ لكنني لا أمتلك القوة الآن، أو لربما أن هناك شيئًا يمنعني، لا أعرف ما هو. إنه الشيء غير المعروف الذي لا أستطيع لقاؤه، الذي لم أره ولم أتعرف عليه منذ مجيئي إلى هذا الكون.

اليوم أشعر باليأس يكبر في داخلي، لقد أصبح اليأس يمتلك الجزء الأكبر من عقلي، حتى إن تفكيري أصبح مختلفًا. لقد كنت أكثر سعادة في الماضي، وعلاقاتي الاجتماعية كانت أكثر سلاسة. لم أكن أكترث لأي شيء من حولي. كانت الحياة بالنسبة لي بسيطة جدًا، كل شيء كان عفويًا، والكلمات التي أنطق بها كانت تخرج من غير تصنع.

ولكن الآن تغير العالم من حولي، فأصبح الناس أكثر تصنعًا، حتى الأصدقاء المقربين لا أستطيع أن أتحملهم لكثرة تصنعهم، والكثير منهم لا يريدون رؤيتي لأنني لا أرى الدنيا بالمنظار الذي يمتلكونه.

لا أستطيع الرجوع إلى الماضي، هكذا هي الحياة، لا تسمح لنا بالعودة إلى الوراء لالتقاط أنفاسنا أو لتصحيح بعض الأخطاء التي اقترفناها، أو لنقضي وقتًا مع أشخاص أحببناهم وانتقلوا إلى العالم الآخر. من المستحيل أن يحدث شيء كهذا.

يجب علينا أن نعيش اليوم، وأن نجد داخل هذا اليوم ما نحب، حتى لو لم يكن ما نحب متوفرًا، ويجب أن نحاول ألا نبني آمالًا وهمية قد لا نصل إليها في المستقبل. السر هو أن نفهم أن اليوم هو كل ما نملك، وأن أعمال اليوم ستحدد مستقبلنا، ولكن إذا لم يوجد عمل في هذا اليوم، فما فائدة اليوم؟

عشر سنوات كاملة قد مرت على تخرج آدم من الجامعة، وحتى الآن لم يجد الوظيفة التي يحلم بها أو يتمناها. عمل في عدة وظائف، لكنها كانت بالنسبة له مجرد تسلية.

أصدقاؤه وجدوا الوظائف التي تناسبهم، ربما لأن آباءهم يملكون العلاقات المخملية لتعيينهم. أما آدم، فحاله كحال الكثيرين الذين ليس لهم علاقات مفيدة. عليه كل يوم أن يقرأ ويبحث على الإنترنت عن أحلامه من غير واسطة.

لم يعد عدّ السنوات مهمًا بالنسبة لآدم، بل أصبح أمرًا يثير الغضب في نفسه ويجعله أقل اتزانًا، بل يولد لديه حرقة كبيرة على ما فات من حياته. الأفضل تناسي ما قد مضى. لكن كيف؟ وأصدقاؤه قد تزوجوا وأنجبوا أطفالًا، وهو لا يزال في المكان نفسه.

أصبح كل ما يفكر فيه يجعله يفقد القوة العقلية القليلة المتبقية، ويجعله أقرب إلى جسر المشاة. أصبح الجسر هو الرمز الذي ينقلك إلى الحرية التي تحلم بها، الحرية التي تمثل حرية الروح الحقيقية، وتخرجك من كل الغموم والهموم المتراكمة لسنوات، وتنقلك من الحياة إلى الموت الاختياري، لا الموت القدري، وإن كان كل شيء يحكمه القدر.

بل أصبح جسر المشاة هو الحياة التي يتطلع إليها الكثيرون.

الجميع يمرون من تحت هذا الجسر بسياراتهم، وينظرون إليه بتمعن عند الازدحام الشديد، وربما يتمنون لو يملكون القدرة للصعود إليه ومعرفة لماذا يختار الناس هذا الجسر للانتحار.

هو في الواقع جسر مشؤوم، لأن الكثيرين يعتبرونه نقطة النهاية. وربما أيضًا الأثرياء يحبون فكرة الانتحار، لكنهم يخفونها ولا يستطيعون التحدث عنها أمام الناس.

فكر آدم أنه من الممكن أن يكون كل شخص عاش على كوكب الأرض قد تمنى في لحظة من لحظات حياته فكرة الانتحار. بعض الامتحانات تكون قاسية جدًا في الحياة، تجعلنا نفقد توازننا، بل وتجعلنا نشعر أننا فقدنا كل شيء.

بعض التجارب تكون عنيفة أكثر من الموت نفسه، مع أن لا أحد يعرف عنفوان الموت.

يعرف آدم أن الطريق طويل، طويل جدًا، وأن عليه أن يصبر ويتحمل الأمور الخارجة عن إرادته.

استرجع آدم شريط حياته منذ أن كان صغيرًا، واستطاع أن يتذكر عندما كان في العاشرة من عمره، عندما كان يلعب مع الأطفال، كم كان سعيدًا آنذاك.

استرجع أيضًا في ذاكرته ذلك الطفل الذي لم يحمل أي هموم أو مسؤوليات، لم يفكر بأي طموح أو وظيفة، ولم يزعجه أي شيء.

ليته يستطيع الرجوع إلى ذلك الطفل ليعيش معه يومًا واحدًا بحرية وطلاقة، من غير أي قيود أو حدود أو تصنع، ويتمتع معه بالبراءة التي يفتقدها ويحن إليها. ليته يستطيع أن يلهو مثل ذلك الطفل.

لقد اشتاق كثيرًا إلى تلك الأيام التي أصبحت من الماضي.

ما أجمل نعمة الرجوع إلى الماضي لنعيش اللحظات الجميلة التي لا نستطيع إيجادها في الحاضر، ثم المغادرة منه إلى الحاضر في محاولة لإرضاء أنفسنا.

يعشق آدم الجلوس وحيدًا، ويحاول البحث عن أفكار إيجابية، لأن ذلك يعطيه قوة للاستمرار في الحياة، ولكن هذا لا يحدث دائمًا، لأن الأفكار السلبية تأبى مفارقته.

قرأ آدم الكثير من الكتب المفيدة لتطوير الذات، فتعلم كيف ينمي ثقته بنفسه، وكيف يحتفظ باحترام ذاته الشخصية، ويعرف أن هذين الموضوعين مهمان جدًا في خلق التوازن في حياته.

ولكن السؤال الذي لا يعرف الإجابة عليه أحد:

من الذي يقرر أن هذا التوازن قد حدث؟ أو أن ثمار التوازن ناضجة؟

يعرف آدم أن تأثير البيئة المحيطة يعمل على خلق هذا التوازن، ولكن إذا لم تكن البيئة المحيطة فعالة، فما فائدة التوازن؟

مضت ساعتان الليلة على جلوس آدم على حافة جسر المشاة، ولم يجد أي سبب واقعي يقنعه بالمتابعة في هذه الليلة الرائعة.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com