الثلاثاء , أبريل 28 2026 | 2:55 م
الرئيسية / stop / جريمة وانعكاس..

جريمة وانعكاس..

فيلادلفيا نيوز

الدكتور ابراهيم العدرة

الجامعة الأردنية
كلية الآداب
قسم العمل الاجتماعي

لعلّ الأخبار الإعلامية المتلاحقة كل يوم عن وقائع جرمية هنا وهناك يُنذر بخطر جلي مُحدق، ويُعبر عن واقع صعب مؤلم، ويشير إلى إنذار موجع وتساؤل لاذع كيف وصلنا إلى هذا المستوى؟ من أين جاء هذا الكم المرهق من الإنحرافات والجرائم؟.. والتي كنا نسمع عنها في البقاع البعيدة، والمجتمعات الغريبة ذات التقليعات اللا أخلاقية، والمادية..ورحم الله تلك الأيام التي كنا نضرب بها المثل في مجتمعنا المثالي الجميل، وتلك الروح الجماعية المتألقة.. بينما نقف اليوم حزينين، منهكين، ومتصارعين لا نعرف كيف نبدأ؟ وإلى أين نسير؟.. وما الذي يحدث أصلاً؟؟..
في الأسابيع الأخيرة أثقلنا ما كنا نسمع ونرى من جرائم دموية هنا وهناك، وحالة من التردي الأخلاقي والسلوكي والفكري العام.. والأصعب والأعنف على قلوبنا هو حالة الإنفلات للأفعال، والبلطجة المتعمدة، والتعدي غير المسبوق على الدماء والأعراض والأموال.. وهنا كاجتماعيين وباحثين وعاملين في الشأن الإنساني لابُد أن نقرع ناقوس الخطر، وندق جرس الإنذار على مؤشرات خطيرة، وأرقام صادمة، وأساليب مبتكرة غير معتادة في ممارسة السلوك الجرمي والإنحرافي..
وإذا كنا سنبقى نقول: “هذا دخيل على مجتمعنا”، فهذه الجملة للأسف أصبحت خاطئة حيث أصبحت الجريمة الممنهجة، وغير المتصورة، واللاعقلانية جزء من الممارسة الفعلية التي -نطلب من الله- أن لا نعتاد عليها، وأن ينصلح الحال ويتغير الشكل والمقال ككل.
وبعد هذه الأرقام المتسارعة لجريمة قتل، وضرب، وخنق، واعتداء، وكسر، وخرق، وابتزاز، وطخ…إلخ. علينا أن نُعيد النظر في كافة السياسات والممارسات والأنظمة العقابية التي وللأسف لم تعمل على تقليل نسبة وتطور وتضخم هذا السلوك الجرمي، بل على العكس ساعدت على ازدياده وتكراره..
وعلى رأس هذه العوامل المترامية: يبرز تقلص دور الأسرة، وغيابها التام وانعدام الدور التربوي والإرشادي لها، وضعف وترهل دور مؤسسة المدرسة وآليات النظام التعليمي ككل الذي يركز على الشكل والظاهر أكثر من مضمون الإنسان والشخصية، متناسياً التربية على حساب التعليم ومتجاوزاً الغاية الأساسية منهُ وهو خلق الإنسان، وليس تحويله لآله جوفاء عديمة العاطفة والإرتباط. بالإضافة إلى مفهوم التعليم العالي الذي انحسر في تخصصات وآليات لا تساهم في خلق الطالب الفعّال الخلاّق بل الباحث عن الشهادة على حساب العلم، والمتسلق على حساب النظام أيضاً..
وهنا لا ننسى الإعلام الملوث والأسود، ووسائل التواصل الاجتماعي الخادعة التي ساهمت من خلال غياب الرقابة والمسؤولية والمتابعة على الترويج لثقافة المادة والاستهلاك والتفاهة والتعدي بكل مكوناتها.. وللأسف ساهمت مع السياسات المؤدجلة إلى إضعاف دور القدوات والمصلحين والمبدعين والمتميزين لصالح المتسلقين والسحيجة والمدعين والمتذبذبين والمزيفين.. وأيضاً انحسار دور مؤسسات العبادة والمساجد والكنائس التي تقوقعت في ممارسة العبادات الشكلية على حساب ومضمون العقيدة الروحية والاخلاقية.
كما لا ننسى واقع المؤسسات الإدارية والخاصة والمهنية العامة التي خلقت مع الظلم والإجحاف والواسطة والمحسوبية مواطناً حانقاً غاضباً منتقماً يشعر بالإحتراق النفسي والمادي بديلاً للمنتج والمبدع والريادي من خلال ممارسة الفساد الإداري والمؤسسي المنظم الذي أعاد مؤسساتنا إلى الوراء بدلاً من تقدمها إلى الأمام.. وعند الحديث عن الركيزة الأساسية وهي الزواج وتشكيل الأسرة نقف مذهولين من خطورة هذا الإرتباط غير المدروس، والعلاقات المؤذية المتردية، حيث أصبحت الأسرة هي مكمن الخطر بدل أن تكون هي السكن والأمن والطمأنينة.. لذلك إذا رغبنا في الإصلاح حقيقةً علينا البدء منها، وتطوير آليات وشكل الإختيار، وحفظ المنظومة التربوية فيها، والوعي بأهميتها وإعادة تطويرها من خلال العمل على تحسين وتعديل أسس الإتصال والتفاعل داخلها وهي للأسف أصبحت العائق الرئيس في بناء أسرة منتجة وفاعلة وملتزمة وقائمة على توزيع الأدوار وحفظ القيم، وخلق هوية الأبناء.. فمهارات الإتصال يا سادة هي المفتاح حيث تشير أغلب الدراسات العلمية والممارسات الحياتية بأن #سوء_الإتصال وعدم الاهتمام به هو ما أوصلنا إلى حالة التردي التي نعاني من نتائجها اليوم، وهذه الروابط المقدسة خفت وهيجها مع الزمن.. لذا لابُد من تطويرها وتحسينها وتدريب الناس عليها في ظل انفلات المفاهيم، وتناقض الأدوار، وتعاكس الاتجاهات.. وهذا دور الجميع في بناء الإنسان في ظل الحياة الرقمية الفضائية المتداخلة.
وفي هذا التوصيف وهذه المقاربة نصل إلى هذه الحالة المريرة التي قد تؤذي مستقبل الأجيال، وتصنع منهم أدوات سلبيه عصية على التناغم مع التحول الاجتماعي الجديد، وغير قادرة على مواكبة حالة التحضر والتمدن العامة..
#يا_سادة.. الحل هو في إعادة منظومة القيم الدينية والأخلاقية والقانونية العامة مع تشذيبها للتكيف مع الواقع، وجعلها الهدف وليس الوسيلة، والعمل باتجاه المحافظة عليها لا تقليصها، وإعادة بناء الإنسان لا هدمه، وعلاجه قبل أن يتحول إلى مادة جوفاء قاسيه تتقن ممارسة الهدم لا البناء، وهذا دور الجميع.
الكل هنا مسؤول وهذا الدور البنيوي دوار تشاركي وتفاعلي لا يجوز الحياد عنه أو إهماله بالتعاون معاً يمكن لنا المحافظة على هويتنا الإنسانية، وبناء مجتمعنا بشكل يليق بنا وبإرثنا بعيداً عن الشعارات الطنانة والفارغة من المضمون..
وفي الختام ندعو الله أن يوفقنا ويأخذ بإيدنا لنصل إلى بر الأمان.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com