الخميس , أغسطس 20 2026 | 2:24 م
الرئيسية / stop / BOT رافعة صامتة لنهضة الجامعات الحكومية

BOT رافعة صامتة لنهضة الجامعات الحكومية

فيلادلفيا نيوز

ا.د. مخلد سليمان الطراونة

في الوقت الذي تواجه فيه الجامعات الحكومية الأردنية تحديات متزايدة في التمويل، لم تعد المشكلة مقتصرة على توفير الرواتب والنفقات التشغيلية، وإنما أصبحت تمتد إلى قدرتها على بناء المستقبل؛ من مبانٍ أكاديمية حديثة ومختبرات متقدمة ومراكز بحثية وسكن طلابي، إلى بنية رقمية ومراكز بيانات ومرافق قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في التعليم والتكنولوجيا. فالجامعة التي لا تستطيع تحديث بنيتها التحتية والاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي ستجد نفسها عاجزة عن المنافسة، مهما امتلكت من كوادر أكاديمية متميزة. وفي المقابل، فإن استمرار مطالبة الدولة بتمويل كل مشروع جامعي من الموازنة العامة لم يعد خيارًا سهلًا في ظل محدودية الموارد وتعدد الأولويات الوطنية.

من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير خارج الأطر التقليدية، والبحث عن نماذج تمويل جديدة لا تعني بالضرورة خصخصة الجامعات أو التخلي عن ملكية الدولة لأصولها، وإنما تعني استثمار هذه الأصول بطريقة أكثر كفاءة. ومن بين هذه النماذج يبرز نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) بوصفه أداة يمكن أن تمنح الجامعات الحكومية فرصة للانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

يقوم نموذج BOT، في صورته التقليدية، على قيام المستثمر الخاص بتمويل المشروع وتصميمه وبنائه وتشغيله وصيانته لفترة زمنية متفق عليها، يستوفي خلالها عوائد الاستثمار وفقًا لشروط العقد، ثم تنتقل ملكية المشروع إلى الجهة الحكومية في نهاية فترة الامتياز. والفكرة هنا ليست أن تبيع الجامعة أرضها أو منشآتها، ولا أن تتخلى عن دورها الأكاديمي، وإنما أن تستفيد من رأس المال والخبرة والكفاءة التي يمتلكها القطاع الخاص في إنشاء أصول تحتاجها الجامعة ولا تستطيع موازنتها الحالية تحمل تكلفتها.

وبمعنى أكثر وضوحًا، فإن BOT لا يعني بيع الجامعة، وإنما يعني استثمار بعض أصولها وإمكاناتها من أجل تطويرها، مع بقاء الملكية النهائية للجامعة. وهذه نقطة جوهرية ينبغي التأكيد عليها، لأن أي نقاش حول الشراكة مع القطاع الخاص في التعليم يجب أن يميز بوضوح بين الشراكة الاستثمارية المنظمة وبين الخصخصة.

فالجامعات الحكومية الأردنية تمتلك عناصر تجعلها بيئة مناسبة لدراسة مثل هذه الشراكات؛ فهي تمتلك أراضي واسعة، وأعدادًا كبيرة من الطلبة، وطلبًا متزايدًا على الخدمات، ومواقع استراتيجية، وكوادر بشرية، وسمعة أكاديمية تراكمت عبر عقود. لكن جزءًا من هذه الإمكانات لا يتحول إلى قيمة اقتصادية وتنموية بسبب محدودية الموارد الاستثمارية. وهنا يمكن أن تتحول بعض الأراضي غير المستغلة إلى مشاريع سكن جامعي، أو إلى مراكز بحث وتطوير، أو مختبرات متقدمة، أو مراكز ابتكار، أو منشآت رياضية، أو حتى بنية تحتية رقمية متقدمة.

فلماذا لا يتم إنشاء مراكز بيانات وحوسبة سحابية حديثة من خلال شراكات استثمارية؟ ولماذا لا تُبنى مختبرات متقدمة للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والهندسة الطبية والطاقة المتجددة من خلال القطاع الخاص؟ ولماذا لا يتم إنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة بين الجامعات والشركات، بحيث تمول الشركات جزءًا من البنية التحتية وتستفيد في المقابل من مخرجات البحث العلمي والابتكار؟ ولماذا لا تصبح الجامعات الحكومية بيئة حاضنة لمشاريع تكنولوجية واستثمارية تستفيد من الطلبة والباحثين والخبرات المتوافرة لديها؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، وإنما ترتبط مباشرة بمستقبل التعليم العالي الأردني، خصوصًا أن مفهوم الجامعة في العالم قد تغير بصورة كبيرة. فالجامعة الحديثة لم تعد مجرد قاعات دراسية ومكاتب لأعضاء هيئة التدريس، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تضم مراكز بيانات وشبكات اتصالات ومختبرات ذكية وحاضنات أعمال ومراكز ابتكار ومرافق بحثية وسكنًا طلابيًا وخدمات رقمية ومنشآت رياضية وترفيهية.

وهنا يمكن أن يصبح BOT أداة للتحول الرقمي والعمراني في الجامعات الحكومية. فبدل أن تنتظر الجامعة سنوات للحصول على مخصصات لبناء مركز بيانات، يمكن لشركة متخصصة أن تمول إنشاء المركز وتشغيله وفق مواصفات فنية محددة، وتستوفي عوائدها وفق نموذج مالي واضح، ثم تنتقل ملكية الأصل إلى الجامعة وفق شروط العقد. والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على المختبرات العلمية المتقدمة، ومراكز الذكاء الاصطناعي، ومختبرات الأمن السيبراني، ومراكز الحوسبة عالية الأداء، ومشاريع الطاقة الشمسية، وغيرها من البنى التحتية التي تحتاجها الجامعة الحديثة.

بهذا الأسلوب يمكن للجامعة أن تنتقل من جامعة تستهلك التكنولوجيا إلى جامعة تنتج التكنولوجيا وتديرها وتستثمر فيها، وأن تتحول بعض أصولها من مجرد أعباء تحتاج إلى الصيانة إلى أدوات قادرة على توليد القيمة والعائد.

ولعل السكن الجامعي من أكثر المشاريع التي يمكن أن تكون مناسبة لدراسة نموذج BOT. فالعديد من الجامعات تحتاج إلى مساكن طلابية ملائمة، في الوقت الذي قد لا تتوافر فيه السيولة الكافية لبناء مجمعات سكنية حديثة. ويمكن للمستثمر أن يتولى بناء مجمع سكني متكامل وتشغيله وصيانته لسنوات محددة، مقابل عوائد من الإيجارات وفق إطار تعاقدي واضح يضمن حقوق الطلبة والجامعة والمستثمر، ثم تنتقل ملكية المنشأة إلى الجامعة في نهاية فترة الامتياز. وهنا يتحول المشروع، بدل أن يكون عبئًا ماليًا مباشرًا، إلى أصل مستقبلي مملوك للجامعة.

ولا ينبغي أن يتوقف التفكير في BOT عند المباني والخدمات، فالجامعات الأردنية تحتاج كذلك إلى بنية تحتية بحثية متقدمة، من مختبرات متخصصة وأجهزة علمية ومراكز بيانات ومرافق تجريبية ومراكز ابتكار. ويمكن بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا والطاقة والاتصالات والصناعات الدوائية وغيرها لإنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة، لأن القطاع الخاص لا يبحث فقط عن المباني، وإنما يبحث عن المعرفة والابتكار والكوادر البشرية، بينما تحتاج الجامعة إلى تمويل البحث العلمي وربطه بالصناعة. وهنا يمكن أن تلتقي المصالح؛ فالجامعة تقدم المعرفة والكوادر والموقع، والقطاع الخاص يقدم رأس المال والتكنولوجيا والخبرة التشغيلية، والمجتمع يحصل في النهاية على مخرجات ابتكارية واقتصادية جديدة.

ومع ذلك، فإن BOT ليس حلًا سحريًا لمشكلات الجامعات، ولا ينبغي تقديمه على أنه مشروع مجاني أو وسيلة للالتفاف على ضعف التمويل الحكومي. فكل مشروع له تكلفة، وهذه التكلفة ستُسترد بطريقة أو بأخرى، سواء من رسوم المستخدمين أو عوائد المشروع أو التزامات تعاقدية أخرى. ولذلك يجب أن تكون الدراسات الاقتصادية دقيقة، وأن يتم توزيع المخاطر بصورة عادلة، وأن تخضع العقود للشفافية والرقابة، وأن تكون هناك حماية واضحة للطلبة والجامعة والمال العام.

والسؤال الأساسي قبل تنفيذ أي مشروع يجب ألا يكون: هل نستطيع تنفيذ المشروع بنظام BOT؟ وإنما: هل BOT هو النموذج الأنسب لهذا المشروع؟ فليس كل مشروع جامعي صالحًا للشراكة مع القطاع الخاص، وليس كل مستثمر قادرًا على تنفيذ مشروع جامعي بنجاح. والمعيار يجب أن يكون الجدوى الاقتصادية، والقيمة مقابل المال، وجودة الخدمة، والاستدامة، وحماية المصلحة العامة.

وإذا أردنا لهذه الفكرة أن تنجح، فلا يكفي أن تترك لكل جامعة أن تبحث منفردة عن مستثمر. الأفضل أن يتم التفكير في إنشاء محفظة وطنية لمشروعات الشراكة في الجامعات الحكومية الأردنية، بالتنسيق بين وزارة التعليم العالي والجامعات والجهات الحكومية المختصة بالشراكة والاستثمار. وتحدد كل جامعة مجموعة من المشاريع القابلة للاستثمار، ثم تخضع لدراسات جدوى مالية وقانونية وفنية، ويتم ترتيبها وفق الأولوية والجدوى، قبل طرحها بصورة شفافة وتنافسية.

وقد تبدأ التجربة بعدد محدود من المشاريع النموذجية، مثل السكن الجامعي، ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، ومختبرات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ومشاريع الطاقة الشمسية، ومراكز البحث والتطوير، والمنشآت الرياضية، ومراكز الابتكار وريادة الأعمال، والمباني الأكاديمية المتخصصة، ثم يتم تقييم التجربة قبل الانتقال إلى مشاريع أكبر وأكثر تعقيدًا.

لكن الأمر لا يتعلق بالمال وحده، بل يحتاج كذلك إلى نموذج جديد في الإدارة. فالجامعة التي تمتلك أرضًا ولا تستطيع استثمارها، أو تمتلك طلبًا مرتفعًا على خدمة ولا تستطيع تمويلها، أو تمتلك باحثين ولا تستطيع توفير مختبراتهم، تحتاج إلى آليات إدارية واستثمارية تسمح بتحويل الموارد المتاحة إلى قيمة تنموية. كما أن نجاح الشراكات يتطلب تطوير قدرات الجامعات في إعداد دراسات الجدوى، وإدارة العقود، وتحليل المخاطر، والتفاوض مع المستثمرين، ومراقبة الأداء. فالقطاع الخاص لن يأتي لمجرد أن الجامعة لديها أرض؛ المستثمر يحتاج إلى مشروع واضح، وعائد منطقي، وقواعد مستقرة، وبيئة قانونية شفافة.

وربما آن الأوان لتغيير النظرة إلى الجامعات الحكومية. فالجامعة ليست بندًا في الموازنة فقط، وليست مؤسسة تنتظر الدعم الحكومي في نهاية كل عام، بل هي مؤسسة تمتلك أصولًا مادية وبشرية وعلمية يمكن أن تكون محركًا للتنمية المحلية والوطنية. وإذا أُحسن استخدام نموذج BOT والشراكات الاستثمارية الأخرى، يمكن للجامعات أن تبني أصولًا جديدة، وتطور بنيتها التحتية، وتستقطب استثمارات، وتوفر خدمات أفضل للطلبة، وتدعم البحث العلمي، دون أن تتحول إلى مؤسسات تجارية تفقد رسالتها الأكاديمية.

المطلوب إذن ليس خصخصة التعليم، بل تحديث طريقة تمويل وتطوير البنية التحتية الجامعية. والمطلوب أيضًا ألا تتحول الشراكة مع القطاع الخاص إلى وسيلة لتحميل الطلبة أعباء جديدة، بل إلى أداة لتحسين جودة الخدمات وتوسيع الخيارات أمامهم، مع الحفاظ على الدور الوطني للجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية وبحثية وتنموية.

الأردن لا يملك رفاهية الانتظار. ففي الوقت الذي تتسارع فيه الجامعات العالمية نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبحث التطبيقي والابتكار، فإن استمرار الجامعات الحكومية في انتظار التمويل التقليدي لكل مشروع جديد قد يعني اتساع الفجوة عامًا بعد عام. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: كم تستطيع الدولة أن تنفق على الجامعات؟ بل كيف نستطيع أن نجعل كل دينار حكومي قادرًا على استقطاب استثمارات إضافية من القطاع الخاص، دون التفريط بالملكية العامة أو الرسالة الأكاديمية؟

هنا تحديدًا يمكن أن تكون الشراكة مع القطاع الخاص، ومن بينها نموذج BOT، جزءًا من الإجابة. نحن لا نحتاج إلى بيع جامعاتنا، ولا إلى تحميل الطلبة أعباء جديدة، ولا إلى التخلي عن مسؤولية الدولة تجاه التعليم. نحن بحاجة إلى شراكة ذكية وشفافة ومحسوبة المخاطر، تحفظ للجامعة ملكيتها ورسالتها، وتمنح القطاع الخاص مساحة للاستثمار والابتكار، وتحوّل الأصول الجامعية إلى أدوات للتنمية بدل أن تبقى مجرد ممتلكات تنتظر التمويل.

فإذا كانت الأزمة المالية قد فرضت على الدولة أن تعيد التفكير في طريقة تنفيذ مشاريعها، فإن الجامعات الحكومية يجب أن تكون في مقدمة المؤسسات التي تعيد التفكير في طريقة تمويل مستقبلها. فالجامعة التي تنتظر التمويل كي تبني المستقبل ستظل أسيرة للموازنة، أما الجامعة التي تعرف كيف تستثمر أصولها وشراكاتها ومعرفتها، فقد تستطيع أن تصنع المستقبل بإمكاناتها الخاصة.

وربما يكون الوقت قد حان لأن ننظر إلى الجامعات الحكومية الأردنية ليس بوصفها مؤسسات تحتاج إلى الإنفاق فقط، وإنما بوصفها أصولًا وطنية قادرة على جذب الاستثمار وصناعة المعرفة وبناء المستقبل. وعندها قد لا يكون BOT مجرد نموذج تمويلي جديد، بل رافعة صامتة لنهضة جامعاتنا الحكومية.

 

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com