فيلادلفيا نيوز
مطلق أبو أذينة الحجايا
الهجرة النبوية مشروع أمة ومنهج بناء ونقطة تحول فارقة نقلت المسلمين من حال الاستضعاف إلى قيام الدولة ومن التفرق إلى الوحدة ومن الفوضى إلى النظام
عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة لم يبدأ ببناء الفلل والقصور والمنتجعات والمزارع بل بدأ ببناء الإنسان فأرسى أولى دعائم المجتمع من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ولم تكن مؤاخاة شكلية بل كانت نظاما اجتماعيا عميقا أذاب الفوارق وجعل من المجتمع جسدا واحدا يتقاسم أفراده الهم والرزق والمصير وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى أن قوة المجتمعات لا تحسب بكثرة تعدادها السكاني بل بعمق ترابطهم ونوعيتهم
ثم انتقل النبي ﷺ إلى معالجة أخطر ما يهدد أي كيان ناشئ وهو الصراع الداخلي فأنهى النزاع التاريخي بين الأوس والخزرج ذلك النزاع الذي استنزف طاقاتهم لسنوات طويلة فجاء الإسلام ليبدل العداوة أخوة ويصهر القلوب في بوتقة الإيمان ليؤكد أن أي أمة لا يمكن أن تقوم على أرض ممزقة بالخصومات
ومن هنا تشكلت ملامح الجبهة الداخلية المتماسكة حيث عمل النبي ﷺ على ترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية وإلغاء العصبيات القبلية وبناء هوية جامعة قائمة على العقيدة والقيم لا على النسب والانتماء الضيق فالوحدة لم تكن مجرد شعارات هشه ترفع ويتغنى تسقط أمام أي حدث بل كانت سلوكا يمارس وأساسا لا غنى عنه لبقاء الدولة واستقرارها
ولم يغفل النبي ﷺ عن تنظيم العلاقة مع مكونات المجتمع الأخرى فكانت صحيفة المدينة او دستور المدينة نموذجا متقدما في إدارة تنوع المكون المجتمعي للمدينة من مسلمين وغير مسلمين حيث أقرت الحقوق وحددت الواجبات وضبطت العلاقات على أساس العدل والتعايش المنضبط لا الفوضى ولا الذوبان وهو ما يؤكد أن الدولة الناجحة تقوم على القانون وتحمي الجميع دون أن تتنازل عن ثوابتها
وفي هذا السياق يتجلى مبدأ عظيم من أعظم مقومات بقاء الدول واستقرارها وهو إقامة العدل وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو محاباة فلا يفرق فيه بين قوي وضعيف ولا بين قريب وبعيد فالعدل هو صمام الأمان وبه تحفظ الحقوق وتستقر المجتمعات
وقد جسد النبي ﷺ هذا المبدأ أبلغ تجسيد حين قال والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها
إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد
فهذا ميزان لا يعرف المجاملة وقانون لا يخضع للأهواء وعدل لا يستثني أحدا وبه تصان الأمم من أسباب الهلاك والانهيار
وفي خضم هذا البناء كان أول عمل مادي ظاهر هو بناء المسجد ذلك الصرح الذي لم يكن مكانا مخصصا للصلاة فقط بل كان مركز القيادة ومنارة العلم ومقر الشورى ومنطلق الإصلاح ليؤكد أن بناء الإيمان هو الأساس الذي تقوم عليه كل نهضة حقيقية
وتحمل الهجرة في طياتها دروسا عظيمة في التخطيط المحكم والأخذ بالأسباب والتوكل الصادق على الله والصبر على الشدائد والتضحية في سبيل المبدأ فهي تعلمنا أن النجاح لا يأتي عشوائيا بل هو نتاج رؤية واضحة وعمل منظم وثبات على الطريق
ومن خلال هذه المحطات تتضح أسس ومقومات الدولة المسلمة عقيدة راسخة ووحدة داخلية وعدل في الحكم وتطبيق للقانون على الجميع وتنظيم للعلاقات وقيادة حكيمة وبناء علمي وتربوي وقوة منضبطة بالأخلاق
فمن أراد النهوض فليقرأ الهجرة قراءة وعي لا قراءة ذكرى وليدرك أن الأمم لا تبنى إلا حين تتوحد وتعدل وتعمل
تلك هي الهجرة بداية الطريق لكل أمة تبحث عن مجدها
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ