بقلم: الصحفي عبدالله المجالي
عندما يواجه الإنسان مرض “السرطان” يخوض معركة شرسة ضد خلايا متمردة في جسده معركة تحتاج إلى سلاحين لا ثالث لهما يقين بالله ومنظومة صحية تسانده وتخفف عنه ثقل المسير.
في الأردن لدينا أطباء بارعون نرفع لهم القبعات احتراماً يُجرون أعقد العمليات ويضعون البروتوكولات العلاجية بدقة وكفاءة عالية.
لكن ما لم يحسب له المرضى حساباً وما لا يخبرهم به أحد أن المعركة الحقيقية في كثير من الأحيان ليست مع المرض نفسه بل مع “بيروقراطية” وزارة الصحة وإجراءاتها العقيمة التي تعذب المريض وتستنزف كرامته وصحته أكثر من الأورام.
نسمع ونرى عبر وسائل الإعلام الجولات الميدانية والزيارات المفاجئة والمعلنة التي يقوم بها وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور للمستشفيات والمراكز الصحية. ونحن هنا لا نبخس الرجل حقه ونحترم جهده الصادق ومحاولاته التغييرية. ولكن أمام واقع ملموس وعينات حية من المعاناة اليومية للمواطنين نجد أنفسنا مضطرين لطرح السؤال الصعب واللاذع بكل صراحة يا معالي الوزير هل هذه الزيارات واللقاءات مجرد “بروبوغندا” واستعراض إعلامي أم أنها تهدف حقاً لإصلاح منظومة متهالكة على الأرض؟
إذا كانت هذه الزيارات تؤتي أُكلها وتضبط الإيقاع الإداري فكيف يفسر لنا معالي الوزير والمخططون في وزارته ما يحدث مع مريض سرطان يحمل تحويلاً رسمياً من طبيبه المعالج لبدء جرعاته الكيماوية الوقائية؟ يُلقى به في مستشفيات البشير ليتحول من مريض يحتاج الرعاية إلى “مراسيل” يُنقل من قسم إلى قسم ويقطع مسافات شاسعة بين المباني تحت لهيب الشمس الحارق وفي قيظ الحر لينتهي به المطاف بكتابة “استدعاء ورقي” يُعرض على لجنة لتقرر هل يوافقون على علاجه أم لا ثم يُترك في مهب الانتظار والترقب لأيام وأسابيع دون رد وكأن مرض السرطان يملك رفاهية الوقت وانتظار اللجان ومزاجية المعاملات لماذا كل هذه التعقيدات التي تقتل المريض نفسياً قبل أن يقتله المرض؟
والأدهى من ذلك وأمر ما يحدث في بعض مستشفياتنا الحكومية في المحافظات وتحديداً في مستشفى الكرك الحكومي حيث يدخل المريض لإجراء عملية استئصال أورام ولظرف ما قد يكون وحيداً بلا مرافق. وبدلاً من أن توفر له المنظومة الطبية الرعاية الكاملة يُفاجأ بطلب “بربيش بول” خاص بالعمليات من خارج المستشفى.
هل يتخيل معالي الوزير أن مريضاً مصنفاً كمرضى السرطان والإبرة مغروسة في يده يضطر للخروج إلى الشارع ليتنقل في رحلة تيه وبحث مضنية بين المستشفيات الخاصة والصيدليات في المحافظة حتى يجد مستلزماً طبياً أساسياً ويشتريه بماله الخاص ليقدمه للمستشفى الحكومي كي يُسمح له بدخول غرفة العمليات؟ ليس هذا فحسب بل يُطلب من المريض نفسه وهو في حالة دخول رسمي أن يأخذ عينة دمه بيده ويذهب بها إلى بنك الدم.
قد يخرج علينا مسؤول ليبرر ويقول: “هذا سلوك فردي أو نقص مؤقت في المستلزمات”. عذراً يا وزارة الصحة، في قطاع الطب والأورام بالذات يجب أن تكون نسبة الخطأ ونسبة النقص “صفراً بالمئة”. السلوك الفردي أو الإهمال اللوجستي هنا لا يعني مخالفة إدارية بسيطة بل قد يعني “إعدام مريض” يمكن معالجته غياب “بربيش” أو تأخر جرعة كيماوي بسبب ورقة تائهة بين اللجان هو جريمة بحق الإنسانية وبحق المواطنة.
يا معالي الوزير إن الاستعراض أمام الكاميرات في الممرات النظيفة خلال الزيارات المفاجئة لا يغير من واقع المريض الذي يبحث عن مستلزماته في الشارع شيئاً. إننا بحاجة إلى ثورة إدارية حقيقية تتزامن مع الجولات الميدانية تبدأ من تسيير معاملات مرضى الأورام إلكترونياً وبشكل فوري بين المستشفيات والجهات المعنية وتنتهي بضمان عدم خروج مريض واحد من المستشفى ليشتري قطبة أو مستلزماً طبياً.
أخيراً رسالتنا ليست شخصية بل هي صرخة وجع نيابة عن كل مريض سرطان ومراجع للمستشفيات الحكومية لا يملك صوتاً ليصل به إلى مكتبك. أصلحوا المنظومة الإدارية واللوجستية وكفى عذاباً للموجوعين فالمرض وحده يكفيهم.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ