فيلادلفيا نيوز
ا.د مخلد سليمان الطراونه
في خضم تصاعد الضغوط المالية على الجامعات الحكومية، التي تجد نفسها عاجزة عن الوفاء بمتطلبات التوسع وجودة التعليم والبحث العلمي بميزانيات تقليدية آخذة في التآكل، بات لزاماً على هذه المؤسسات أن تفكر خارج الصندوق وتبحث عن نماذج إدارية وتمويلية أثبتت نجاحها في قطاعات البنية التحتية والصناعة. السؤال ليس عن إمكانية استيراد هذه النماذج، بل عن كيفية إسقاطها بذكاء على واقع التعليم العالي دون المساس بجوهره الأكاديمي أو رسالته المجتمعية. من بين هذه النماذج الواعدة: نموذج البناء-التشغيل-النقل (BOT)، نموذج البنية الأساسية، نموذج الاستعانة بمصادر خارجية، النموذج المختلط أو القائم على الأسهم، والنموذج العكسي للاستعانة بمصادر خارجية. ويمكن لكل منها، إذا طُبِّق بحكمة، أن يشكل مخرجاً من عنق الزجاجة المالية.
لنبدأ بالنموذج الأول، وهو البناء-التشغيل-النقل (BOT)، الذي يقوم على منح القطاع الخاص حق بناء وتشغيل مرفق معين لفترة زمنية محددة مقابل استرداد استثماراته وتحقيق أرباح، ثم تعود ملكية هذا المرفق إلى الجامعة في نهاية المدة. يمكن للجامعات الحكومية تطبيق هذا النموذج في مشاريع واضحة مثل المستشفيات الجامعية التعليمية في الجامعات التي تحتضن كليات صحية متعددة حيث يتولى الشريك الاستراتيجي بناء المستشفى وتقدم الجامعات امكانياتيها التعليمية وكوادرها الصحية لتقديم خدمة صحية للاقليم الذي تتبع له الجامعة ويتحويلات التأمين الصحي ومستلزماته على ان تعود المستشفى للجامعة عند نهاية العقد التشغيلي، المدن الجامعية السكنية، حيث تتولى شركة خاصة بناء مجمعات سكنية حديثة للطلاب وتديرها لمدة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً، فتجمع الإيجارات وتؤدي خدمات الصيانة، وبعد انتهاء العقد تصبح هذه المجمعات ملكاً خالصاً للجامعة. كذلك يمكن تطبيقه على المباني متعددة الأغراض كقاعات المؤتمرات والفصول الدراسية التي تستأجرها الشركة وتستثمرها في غير أوقات الدراسة، وأيضاً على محطات الطاقة الشمسية أو معالجة المياه، مما يريح الجامعة من أعباء فواتير الخدمات الضخمة. الميزة الجوهرية هنا أن الجامعة تحصل على أصول حديثة ومُدارة بكفاءة دون أن تدفع قرشاً واحداً مقدماً، بينما يتحمل القطاع الخاص مخاطر البناء والتشغيل.
أما النموذج الثاني، وهو نموذج البنية الأساسية، فيقوم على فكرة التركيز الحاد: فبدلاً من أن تبدد الجامعة أموالها المحدودة على كل التفاصيل، عليها أن تمول فقط البنية الحرجة التي لا غنى عنها، وتترك الباقي للجامعة نفسها أو للقطاع الخاص. في هذا الإطار، تمول الدولة أو الجامعة من ميزانيتها الأساسية القاعات الكبرى، والمدرجات الرئيسية، والمختبرات العلمية الثقيلة كالكيمياء والفيزياء الحيوية، وشبكات البنية التحتية الأساسية من ماء وكهرباء. أما كل ما عدا ذلك، من شبكات إنترنت فائقة السرعة، وأنظمة تكييف مركزية، وأثاث المكاتب والقاعات، وحتى أعمال التشطيبات الداخلية والدهانات والصيانة الدورية، فيمكن أن تمولها الكليات والأقسام بأنفسها من خلال شراكات مع القطاع الخاص، أو عبر حوافز مالية للبحث والتطوير، أو من خلال رسوم خدمات محددة. هذه الرؤية تعيد توزيع الأعباء المالية وتخفض تكلفة الإنشاء الأولي بما يتراوح بين أربعين وستين بالمئة، كما تخلق حوافز داخلية لكليات الجامعة لترشيد الإنفاق وتنويع مصادر دخلها.
أما النموذج الثالث، وهو الاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing) ، فقد أثبت نجاحه في القطاع الخاص لعقود، ويمكن للجامعات الحكومية أن تستفيد منه بشكل واسع في الأنشطة غير الأكاديمية. فالجامعة ليست مضطرة لأن تكون خبيرة في كل شيء؛ فبإمكانها أن تتعاقد مع شركات متخصصة لتتولى أعمال النظافة الشاملة، والأمن والحراسة، والصيانة الميكانيكية والكهربائية، وإدارة المقاصف والوجبات عبر منح حق الامتياز لسلاسل المطاعم المعروفة، وإدارة المواقف وتحصيل رسومها، بل وحتى بعض الخدمات الإدارية كطباعة المستندات وإدارة البريد المركزي وصيانة الحاسوب. كل هذه الأنشطة يمكن أن تُنفَّذ بعقود واضحة تتضمن مؤشرات أداء وجزاءات، وتكون التكلفة فيها أقل والجودة أعلى مما لو قامت بها الجامعة مباشرة عبر موظفين حكوميين يفتقرون إلى روح المنافسة. المهم هنا وضع خط أحمر لا يمكن تجاوزه: الأنشطة الجوهرية مثل التدريس، والتقييم، والإشراف الأكاديمي، واعتماد المناهج، والبحث العلمي الأصيل، تبقى حكراً على أعضاء هيئة التدريس ولا يمكن الاستعانة بأي جهة خارجية فيها.
أما النموذج الرابع، وهو النموذج المختلط أو القائم على الأسهم (Equity or Hybrid Model) ، فيمثل قفزة نوعية من مجرد التعاقد مع الغير إلى المشاركة الفعلية في الملكية والأرباح. تقوم الجامعة هنا بإنشاء شركات مساهمة تكون هي نفسها شريكاً فيها، إلى جانب مستثمرين من القطاع الخاص، على أن تقدم الجامعة شيئاً ذا قيمة حقيقية كالخبرة الأكاديمية، أو براءات الاختراع، أو السمعة العلمية، أو الأصول غير المستغلة، بينما يقدم القطاع الخاص رأس المال والإدارة التسويقية. فمثلاً، يمكن إنشاء شركة لنقل التكنولوجيا تملك فيها الجامعة حصة تساوي ستين بالمئة وتقدم حافظة براءات الاختراع لأبحاث أساتذتها، بينما يملك الشريك الخاص أربعين بالمئة ويتولى التصنيع والتسويق وتوزيع الأرباح. كذلك يمكن إنشاء شركة مختلطة لإدارة مركز تدريب مهني يقدم دورات مدفوعة للخريجين والموظفين في مجالات الحاسوب واللغات والمهارات الوظيفية، وتذهب أرباحه إلى ميزانية الجامعة. من أكثر التطبيقات نجاحاً إنشاء عيادات جامعية متخصصة في طب الأسنان والعلاج الطبيعي والتحاليل المتقدمة معطوفة على المستشفى التحويلي التعليمي او في مرحلة سابقه له تقدم خدماتها للمجتمع المحلي بأسعار تنافسية أقل من القطاع الخاص، وتكون الأرباح الفائضة مورداً دائماً للجامعة، مع ضمان أن يكون للجامعة حق تعيين مجلس الإدارة والإشراف الأكاديمي لضمان عدم انحراف المهمة التعليمية.
أما النموذج الخامس والأكثر ابتكاراً، فهو نموذج الاستعانة العكسية بمصادر خارجية (Reverse Outsourcing)، حيث ينعكس اتجاه التدفق: فبدلاً من أن تستعين الجامعة بشركات خارجية، فإن الجهات الخارجية هي التي تستعين بالجامعة. بعبارة أخرى، تحول الجامعة مواردها الأكاديمية والبشرية والمادية إلى منتجات وخدمات تباع للغير. يمكن للأساتذة والباحثين أن يقدموا استشارات علمية وهندسية وقانونية وإدارية للشركات والجهات الحكومية، مقابل رسوم تذهب بكاملها أو بنسبة كبيرة إلى صندوق الجامعة. يمكن للجامعة أن تؤجر معاملها ومختبراتها المتطورةلاعمال القماولة ولشركات الأدوية أو الإلكترونيات أو البتروكيماويات خارج أوقات الدراسة الرسمية، فتستخدمها في إجراء التحاليل والاختبارات، وتدفع إيجاراً سنوياً كبيراً. يمكنها أيضاً أن تصمم برامج تعليمية مخصصة عن بُعد لموظفي المؤسسات الكبرى، وتمنحهم شهادات مهنية جامعية معترفاً بها، فيدفع أصحاب العمل رسوماً سخية مقابل ذلك. بل يمكن للجامعة أن تؤجر نظام قاعاتها ومراقبيها وتقنياتها لإدارة امتحانات التوظيف التي تجريها هيئات حكومية أو شركات كبرى، فتحصل على عوائد دون جهد يُذكر. هذا النموذج العكسي يحول الجامعة من مركز تكلفة يلتهم الميزانية إلى مركز ربح يدر دخلاً متنوعاً، ويعزز من دورها في خدمة المجتمع والاقتصاد بدلاً من أن تبقى برجاً عاجياً منعزلاً.
طبعاً، لا يمكن تطبيق هذه النماذج الخمسة بين عشية وضحاها في أي جامعة حكومية دون مواجهة تحديات قانونية وإدارية وثقافية. القوانين الحكومية غالباً ما تكون صارمة ومقيدة في ما يخص شراكة القطاع العام مع الخاص، ولهذا لا بد من إصدار تشريعات خاصة أو تعديل القوانين القائمة لمنح الجامعات استقلالاً مالياً وإدارياً واسعاً، يسمح لها بالدخول في هذه العقود والشراكات دون الرجوع في كل كبيرة وصغيرة إلى وزارة المالية أو مجلس الوزراء. وهناك أيضاً مقاومة متوقعة من أعضاء هيئة التدريس والموظفين الإداريين الذين يخشون على رواتبهم وحوافزهم، أو يرون في هذه النماذج بوادر خصخصة تهدد دور الجامعة الاجتماعي. الحل هنا هو إشراكهم في التصميم المبكر لهذه المشاريع، وضمان عدم المساس برواتبهم التقاعدية الثابتة، وتخصيص نسبة من الأرباح المتأتية عن هذه النماذج لصالح صندوق تحفيز الأساتذة والموظفين، سواء عبر مكافآت أداء أو تمويل لأبحاثهم أو تطوير معاملهم. وهناك خوف مشروع من تحول الجامعة إلى كيان تجاري يهمش القيم الأكاديمية والبحثية من أجل الربح السريع، وهنا لا بد من وضع ضوابط صارمة تفرض أن نسبة محددة، كخمسين بالمئة مثلاً، من صافي الدخل الناتج عن هذه الأنشطة يجب أن تذهب إلى الأنشطة غير الربحية كالمنح الدراسية للطلاب غير القادرين ودعم البحث العلمي الحر وتحسين بيئة التعلم. وأخيراً، لا تمتلك معظم الجامعات الحكومية الخبرة الكافية للتفاوض مع القطاع الخاص وصياغة عقود الشراكة المعقدة؛ لذلك من الضروري إنشاء وحدة متخصصة دائمة تسمى “وحدة الشراكات والاستثمار الجامعي” تضم خبراء في القانون المالي، والهندسة المالية، وإدارة المشاريع، والتفاوض، وتعمل وفق معايير شفافة وخاضعة للمساءلة البرلمانية والرقابية.
إن البدء في تطبيق هذه النماذج لا يحتاج إلى ثورة، بل إلى تدقيق داخلي جريء وبدء مشروع تجريبي. على الجامعة أولاً أن تجري تدقيقاً شاملاً لأصولها: كم لديها من أرض غير مستغلة؟ وأي مباني يمكن تأجيرها أو تشغيلها بنظام BOT؟ وما هي الخبرات القابلة للتسويق لدى الأساتذة؟ وما هي الأجهزة والمختبرات التي تبقى خاملة نصف الوقت؟ ثم تصنف الأنشطة إلى ثلاثة مستويات: أنشطة جوهرية تبقى في صميم التمويل الحكومي المباشر، وأنشطة خدمية يمكن تحويلها إلى عقود استعانة بمصادر خارجية أو عقود BOT، وأنشطة استثمارية يمكن أن تكون محور شركات مختلطة أو نماذج عكسية. وأخيراً، تختار الجامعة نموذجاً واحداً ومشروعاً تجريبياً واحداً، كأن تطبق BOT على احد احتياجاتها الملحة، وتقيّم النتائج بعد ثلاث سنوات من حيث التوفير في التكاليف، والإيرادات الجديدة، ومستوى رضا متلقي الخدمة من هذا المشروع. إذا نجح المشروع التجريبي، يمكن تعميمه على بقية الأنشطة، وإذا واجه صعوبات، فإن التعلم منها سيكون ذا قيمة عظيمة. في نهاية المطاف، لن تخرج الجامعات الحكومية من أزمتها المالية بالانتظار أو بالاستجداء، بل بجرأة التغيير وذكاء الاستفادة من أفضل ما أنتجه القطاع الخاص من نماذج إدارية، مع الحفاظ على الروح الأكاديمية والبوصلة المجتمعية.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ