الجمعة , مايو 1 2026 | 6:55 م
الرئيسية / stop / “مستشفى مؤتة الجامعي: حلم إقليم الجنوب بين الهمس والتأجيل”

“مستشفى مؤتة الجامعي: حلم إقليم الجنوب بين الهمس والتأجيل”

فيلادلفيا نيوز

أ.د مخلد سليمان الطراونه

بين أحاديث الأصدقاء حول ضرورة المستشفى التعليمي التحوّلي لإقليم الجنوب، يتجدد الألم ذاته، وتتكرر الحكاية ذاتها: حكاية حلمٍ يراود أبناء مؤتة والكرك والطفيلة والعقبة منذ أعوام، يظنّون أنه قاب قوسين أو أدنى، ثم يصطدمون بجدار التأجيل والتهميش. فالقطاع الصحي، الذي يُفترض أن يكون أحد الركائز الأساسية لأي مجتمع متقدّم، يعكس مستوى التنمية والرفاهية، لكنه في جنوبنا العزيز يظلّ يعاني من تفاوتٍ صارخ في توزيع الخدمات، ممّا يجعل المنطقة بأسرها – من الدمخي إلى العقبة – في حاجة ماسّة إلى تطوير بنيتها التحتية الصحية، وتحديداً إلى مستشفى تعليمي تحويلي في جامعة مؤتة، لا يكون مجرد إضافة عاديّة، بل قلباً نابضاً للرعاية المتقدّمة والتدريب الأكاديمي والبحث العلمي.
في أحد اللقاءات، تذكّرنا همساً عابراً لعطوفة الدكتور وائل أبو الهيجا، الأمين العام الأسبق لوزارة الصحة، حين كان يغشّش بهدوء أعيان ونواب الكرك، محثّاً إيّاهم على المطالبة بإلحاح لبناء هذا المستشفى في رحاب جامعة مؤتة. لم يكن ذلك الهمس مجرد كلمات عابرة، بل كان نبأً صادماً أن رجلاً بحجم الدكتور أبو الهيجا يرى في هذا المشروع ضرورة وطنية، لكنّه أيضاً يعرف كم يحتاج إلى إرادةٍ شعبية وسياسية تضغط من أجل تحقيقه. ثم نقرأ لعطوفة الدكتور محمد رسول الطراونة، الأمين العام الأسبق للمجلس الصحي الأعلى ومستشار منظمة الصحة العالمية، مقالته في صحيفة الرأي عام 2021 تحت عنوان “مستشفى مؤتة الجامعي … إكسسوار أم مشروع استراتيجي”، فيفضح بجرأةٍ أكاديمية محاولات تصغير حجم هذا المطلب، ويؤكّد أنه ليس ترفاً بل خياراً استراتيجياً لا يمكن التراجع عنه. كنت قد كتبت بدوري مراراً، وما زلت أذكر مقالاً نشرته في “الغد” الأردنية تحت عنوان “ضرورة مستشفى تعليمي تحويلي بجامعة مؤتة لإقليم الجنوب”، أحاول فيه أن أشرح بأمانة ما يعانيه أبناء الجنوب من نقص في المستشفيات المتخصصة، ممّا يضطرهم لقطع المسافات الطويلة نحو عمّان، بما يحمله ذلك من معاناة صحية ومادية واجتماعية.
هذا المستشفى ليس منشأة عادية، بل هو مؤسسة أكاديمية متكاملة تهدف إلى تقديم رعاية طبية متقدّمة في تخصصات دقيقة مثل جراحة القلب والأورام والعناية المركزة، إلى جانب كونه حاضنةً لتدريب الكوادر الطبية من أطباء وممرّضين وصيادلة، وبيئة خصبة للبحث العلمي والابتكار. إن وجوده في الجنوب سيعزّز الوصول إلى الخدمات، ويقلّل من التحويلات الطبية، ويخفّف الضغط الهائل على مستشفيات العاصمة التي تعاني أصلاً من اكتظاظ مزمن، كما يحقّق توازناً جغرافياً عادلاً في توزيع الخدمات الصحية بين الأقاليم. الأهم أنّه يمثل فرصة حقيقية لتحفيز الاقتصاد المحلي، عبر خلق آلاف فرص العمل، واستقطاب الاستثمارات، وتحسين جودة الحياة، وجعل إقليم الجنوب وجهة تعليمية وصحية رائدة، ليس محلياً فقط بل إقليمياً أيضاً.
لكنّ الحلم يواجه تحديات حقيقية، لعلّ أكبرها الحاجة إلى تمويل ضخم لتجهيز المستشفى بأحدث التقنيات، ونقص الكوادر المتخصصة التي تفضّل العمل في المدن المركزية، وضعف البنية التحتية الداعمة من طرق ومواصلات. غير أن هذه التحديات ليست مستعصية، فهناك نماذج ناجحة في التعاون بين القطاعين العام والخاص يمكن الاستفادة منها، إلى جانب إطلاق برامج تحفيزية للإسكان والمكافآت لجذب الأطباء والممرّضين، وتطوير شبكات النقل لضمان سهولة الوصول. وما يزيد الطين بلّة أن غياب الإرادة الحاسمة من الجامعة أحياناً، ومن المجتمع المحلي ونواب الجنوب وأعيانهم، ومن الدولة الأردنية واللجان الصحية في الأحزاب، هو الذي يُبقي المشروع أسير النقاش دون تنفيذ، رغم الهمس القديم والكتابات الجديدة والأصوات الخبيرة التي تدقّ ناقوس الخطر.
وأخيراً، لا يسعني إلا أن أتقدّم بالشكر الجزيل لعطوفة الدكتور محمد رسول الطراونة، الذي ظلّ أحد الأصوات الصادحة الداعمة لهذا المشروع، مؤكداً أنه ليس رفاهية بل ضرورة، ومذكّراً بعنوان مقالته الناري: “مستشفى مؤتة الجامعي … إكسسوار أم مشروع استراتيجي”. وعلى قول أهلنا البدو: “من يشرب فنجان المستشفى التعليمي التحويلي لإقليم الجنوب في جامعة مؤتة؟”. السؤال اليوم ليس من سيقدّم الفنجان، بل متى ستتحرك الإرادات لصناعته، قبل أن ييأس الجنوب ويشرب رحيل أحلامه في فنجان مرّ.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com