الأربعاء , أبريل 29 2026 | 7:24 م
الرئيسية / stop / الشريف خالد بن عبد الرحمن أبلج: السفهاء في التاريخ.. أدوات حماية أم وجوه فوضى؟

الشريف خالد بن عبد الرحمن أبلج: السفهاء في التاريخ.. أدوات حماية أم وجوه فوضى؟

فيلادلفيا نيوز

المؤرخ الشريف خالد بن عبد الرحمن أبلج
عضو الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة التراث العربي أن تُنتزع الحكمة من سياقها، وأن تُقرأ العبارة بظاهر لفظها دون باطن معناها، وأن يُحمَّل القول ما لم يُرَد به أصلًا. فكثير من أمثال العرب وأقوال حكمائهم جاءت وليدة خبرة طويلة بطبائع البشر، وتجارب قاسية مع القوة والضعف، واحتكاك مباشر بأحوال القبائل والدول والأسواق ومجالس الخصومات. ومن بين تلك الأقوال التي قد تبدو صادمة لمن يقرأها قراءة سطحية قولهم: خاب قوم لا سفيه لهم، وقولهم: ذل من لا سفيه له. وهي عبارات قد يظنها البعض تمجيدًا للسفه، أو دعوة إلى الحمق، أو إعلاءً لقدر الطيش والفظاظة، بينما هي في حقيقتها أقرب إلى توصيف اجتماعي دقيق، وتشريح واقعي لعلاقة المجتمعات بمسألة الردع، واعتراف صريح بأن الحياة لا تُدار بالمثاليات وحدها، وأن الناس ليسوا سواءً في الأخلاق، ولا في طرائق الفهم، ولا في احترام الحدود، وأن بعض البيئات لا يردعها اللطف، ولا يكفي معها الحلم، ولا ينفع في كف أذاها مجرد الصمت والتعالي الأخلاقي. ولذلك فإن تلك الأقوال لا تمدح السفيه من حيث هو سفيه، بل تشير إلى ضرورة وجود من ينهض بوظيفة لا يحب الحكماء أن يتلبسوا بها، ولا تليق بأهل الوقار أن ينحدروا إليها، ولكن المجتمع يحتاجها حين تشتد الخصومات، ويظهر المعتدون، ويطمع أهل الفوضى في الهادئين، ويظن السفهاء أن الصمت عجز، وأن الحلم ضعف، وأن الأدب قلة حيلة.
والسفه في أصل اللغة خفة العقل، واضطراب الرأي، وقلة الرزانة، والتسرع إلى القول والفعل بلا روية، ويقال سَفِه الرجل إذا خفّ حلمه وضعف اتزانه.
وفي المعنى الشرعي استُعمل السفه في باب الحجر على المال، فقيل عن السفيه إنه من لا يحسن التصرف في ماله، فيُمنع من تبديده حفظًا لمصلحته.
فالسفه إذن في جذره مذموم، لأنه نقص في الرشد، وخلل في التقدير، وعجز عن وزن العواقب.
غير أن الاستعمال الاجتماعي للكلمة عبر القرون نقلها أحيانًا من معناها الفردي الأخلاقي إلى معنى وظيفي سياسي أو قبلي، فصار السفيه في بعض الأمثال هو الشخص الجريء الخشن، السريع إلى المواجهة، الذي لا يهاب الخصومة، ولا يأنف من الرد على من لا يردعه إلا الرد القاسي، ولا يتورع عن النزول إلى ساحة يكرهها أهل الحلم والفضل.
وهذا الفرق جوهري؛ لأن الكلام هنا ليس عن فضيلة السفه، بل عن منفعة من يتولى ردع السفهاء.
لقد أدركت المجتمعات القديمة، كما تدرك المجتمعات الحديثة بأشكال أخرى، أن البشر طبقات في الطباع، فمنهم من تكفيه الكلمة الطيبة، ومنهم من يلين بالعدل، ومنهم من ينزجر بالقانون، ومنهم من لا يفهم إلا لغة القوة. ولو كان الناس جميعًا عقلاء منصفين لما احتاج أحد إلى حارس، ولا قاضٍ، ولا شرطي، ولا جيش، ولا نظام عقوبات، ولكن الواقع البشري أكثر تعقيدًا من ذلك. ولهذا فإن الجماعة التي تبني نفسها على حسن النية وحده، وتتصور أن العالم يبادلها صفاءها، كثيرًا ما تُفاجأ بأن الطامعين يرون فيها فريسة سهلة، وأن المتجاوزين يختبرون حدودها مرة بعد أخرى، وأن من لا يملك قدرة الردع يُدفع إلى الزاوية ولو كان على حق. ومن هنا نشأ ذلك الوعي العربي القديم الذي لخّصته الأمثال بعبارات موجزة نافذة، مفادها أن من لا يملك في صفه من يرد العدوان، قد يُبتلى بالذل وإن كان مليئًا بالحكماء.

ولذلك رُوي عن بعض السلف قولهم: لا بأس بالفقيه أن يكون معه سفيه ليسافه عنه. وهي عبارة بالغة العمق إذا فُهمت في موضعها؛ إذ الفقيه صاحب علم ووقار، ومجلسه ينبغي أن يكون موطن بيان لا موطن ضجيج، لكنه قد يجلس في زمن تختلط فيه المقامات، ويطمع الجاهل في التطاول عليه، فيحتاج من يردع المعتدي ويحفظ هيبة المجلس دون أن يضطر العالم إلى النزول بنفسه إلى مهاوي السباب. وروي أن ابن عمر كان إذا خرج في سفر أخرج معه سفيهًا، فإن جاءه سفيه رد عنه سفاهة السفهاء. والمعنى هنا ليس اصطحاب الأحمق للتسلية، بل اصطحاب من يجيد التعامل مع طبقة من الناس لا تنفع معها أساليب الوقورين. فالعاقل أحيانًا لا يخسر معركته لأنه ضعيف، بل لأنه يرفض استخدام الوسائل الدنيئة، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى من يتحمل هذا العبء عنه ضمن حدود الضرورة.

ومن أبدع ما قيل في هذا الباب ما نُسب إلى علي زين العابدين: هلك من لم يكن له حكيم يرشده، وذل من لم يكن له سفيه يعضده. فهذه العبارة تبني المجتمع على جناحين لا يستغني أحدهما عن الآخر: جناح البصيرة، وجناح الحماية. فالحكيم يقي من الضلال، والسفيه بالمعنى الوظيفي يقي من الاستباحة. ولو تأملنا التاريخ لوجدنا أن أممًا كثيرة سقطت لا لنقص علمها، بل لأنها أحسنت التفكير ولم تُحسن الدفاع، وامتلكت العقول وفقدت الإرادة الصلبة التي تحميها من المعتدين. كما وجدنا جماعات أخرى امتلكت القوة المجردة دون رشد، فصارت وبالًا على نفسها وعلى غيرها. والكمال في الجمع بين العقل والقوة، بين الحكمة والهيبة، بين الحلم والقدرة على البطش المنضبط حين يفرضه الظرف.

وفي البنية الأسرية القديمة والحديثة معًا يظهر هذا المعنى بوضوح شديد. فكثير من البيوت يقوم على الطيبة، والاحترام، والانشغال بالرزق، والانصراف عن الخصومات، غير أن العالم الخارجي لا يرحم دائمًا. قد يجاور الأسرة متعدٍ، أو يدخل في حقها مخادع، أو يحاول ابتزازها صاحب لسان طويل، أو يطمع في ميراثها متلاعب، أو يظن ضعفًا في أهلها لأنهم لا يرفعون أصواتهم. وهنا يظهر شخص في العائلة يعرفه الناس بأنه شديد، حاضر، لا يسمح بتجاوز، يعرف كيف يوقف العبث عند حده. هذا الشخص قد لا يكون أكثرهم علمًا ولا أرفعهم خلقًا، لكنه يؤدي دورًا نفسيًا واجتماعيًا مهمًا: وجوده وحده يمنع كثيرًا من الاعتداءات قبل وقوعها. ومن هنا جاء المثل الشعبي: بيت ما فيه صايع حقه ضايع، وهو مثل لا يمدح الانحراف، بل يأسف لواقع يُضطر فيه الناس إلى وجود من يعرف مسالك الخشونة كي لا تضيع الحقوق.

وفي المجتمع القبلي كان الأمر أوضح وأشد صراحة؛ لأن الهيبة جزء من الأمن، والصورة الذهنية عن الجماعة قد تجلب لها السلم أو تستدعي العدوان. فالقبيلة التي تُعرف بالحلم وحده قد يظنها الخصوم سهلة المنال، والقبيلة التي تُعرف بالبطش وحده قد تُكره وتُحاصر وتُستدرج إلى الحروب. أما القبيلة التي تجمع شيخًا حكيمًا ورجالًا أشداء، وتملك من بين رجالها من يردع السفيه إذا ظهر، فهذه أقدر على حفظ نفسها. ولذلك قال مصعب بن الزبير: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا، والمعنى هنا أن القوم إذا خلا صفهم ممن يردع المتجاوزين، استهان بهم من حولهم. وليس في القول دعوة إلى تربية السفه، بل دعوة إلى عدم ترك المجتمع بلا أدوات حماية.

وقال سعد بن جدلان:
لولا مجنّنا كلتنا المجانين
وتطمع بنا الجهال لولا جهلنا
وهذا البيت، على ما فيه من مفارقة لفظية، يعبّر عن حقيقة اجتماعية دقيقة: أن وجود من يستطيع مواجهة المفسدين بأساليب يفهمونها قد يمنع شرهم عن البقية. والشاعر لا يفاخر بالجهل، بل يقول إن الجهال يطمعون بمن لا يملك وسائل صدهم. وهذه من أشد الحقائق مرارة؛ أن بعض الناس لا يقدّر الخلق إلا إذا كان وراءه قدرة، ولا يحترم اللين إلا إذا علم أن وراءه بأسًا.

ولو انتقلنا من المجتمعات التقليدية إلى الدولة الحديثة لوجدنا أن الفكرة نفسها ما زالت قائمة، لكن بأدوات أرقى وأكثر تنظيمًا. فالدولة الرشيدة لا تحتاج “سفهاء” بالمعنى الشعبي، بل تحتاج مؤسسات تقوم مقام تلك الوظيفة القديمة: قانون نافذ، قضاء عادل، أجهزة تنفيذ محترفة، إدارة حازمة، خطاب رسمي يعرف متى يلين ومتى يشد، وإعلام قادر على كشف التضليل والرد على حملات التشويه. إن ما كان يؤديه شخص واحد في البنية القبلية تؤديه اليوم منظومة كاملة من المؤسسات. فإذا ضعفت هذه المنظومة عاد الناس إلى البحث عن الأفراد الخشنين، وظهرت الشخصيات الشعبوية التي تعد الناس بالحسم خارج إطار القانون، وهذا من علامات الخلل لا من علامات الصحة.

ومن هنا نفهم أن الحضارة في جوهرها ليست إلغاء الحاجة إلى الردع، بل نقل الردع من يد الأفراد إلى يد المؤسسات. فالإنسان سيبقى إنسانًا، وسيبقى في الناس معتدٍ ومخادع ومتنمر وطامع، لكن المجتمع المتقدم لا يواجههم ببلطجي مقابل بلطجي، بل يواجههم بنظام أقوى من الجميع. فإذا ضعف النظام عاد الناس يحنّون إلى “السفيه النافع” الذي يرد عنهم الأذى، وهذا الحنين في حقيقته شكوى من غياب العدالة المؤسسية.

غير أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الجماعات هو الخلط بين الحاجة إلى وظيفة الردع وبين تمكين أهل الطيش من القيادة. فالسفيه إذا استُخدم أداة في موضع محدود قد ينفع، أما إذا صار مرجعًا ومقررًا ومتحدثًا باسم الناس، فسرعان ما يتحول من درع إلى عبء، ومن حارس إلى خطر. لأن من كانت طبيعته التهور لا يحسن تقدير العواقب، ومن كانت لغته الصدام لا يبني استقرارًا، ومن اعتاد الغلبة اللحظية لا يفهم المصالح البعيدة. وقد خسرت أمم كثيرة حين صفقت لأصحاب الأصوات العالية، وظنت أن الوقاحة شجاعة، وأن التسرع حسم، وأن الصخب كفاءة. وما هي إلا سنوات حتى اكتشفت أن من يصلح للخصومة لا يصلح دائمًا للحكم، وأن من يجيد الهدم قد يعجز عن البناء.

ولذلك كانت الحكمة الأعمق دائمًا هي وضع القوة تحت إمرة العقل، لا وضع العقل تحت إمرة القوة. فاليد ينبغي أن تتبع الرأس، لا الرأس أن يُساق بيد غاضبة. وإذا كان للمجتمع رجل شديد، فينبغي أن يكون شديدًا بأمر القانون، لا بهواه؛ وبمصلحة الجماعة، لا بنزواته؛ وفي حدود الضرورة، لا على سبيل الاستعراض. وإلا انقلب السلاح على حامله، وتحولت أداة الحماية إلى مصدر خوف دائم.

ومن أوجه العمق في التراث العربي أنه لم يكن ساذجًا في نظرته إلى البشر. فقد عرف أن الناس لا يُعاملون كلهم بمعاملة واحدة، وأن الفضيلة ليست دائمًا خطابًا واحدًا جامدًا، بل فقه للمقامات. فمن الناس من يصلحه الصفح، ومنهم من يفسده الصفح، ومنهم من يكفيه التنبيه، ومنهم من لا ينزجر إلا بعقوبة، ومنهم من يلين بالكرامة، ومنهم من يتمادى إذا رأى الحلم. ولهذا لم تكن الحكمة القديمة تدعو إلى العنف، بل إلى معرفة موضع كل خلق. فالحلم في موضعه شرف، لكنه في غير موضعه قد يُفهم عجزًا. والشدة في موضعها عدل، لكنها في غير موضعها ظلم. والمجتمع الناضج هو الذي يعرف متى يستخدم هذا ومتى يستخدم ذاك.

وفي الحياة اليومية المعاصرة نرى صورًا كثيرة لهذه الفكرة وإن اختلفت الأسماء. فالمحامي المحترف الذي يعرف كيف يوقف ابتزاز الخصم يؤدي وظيفة ردع قانونية.
والمسؤول الحازم الذي يمنع الفساد قبل انتشاره يؤدي وظيفة ردع إدارية. والإعلامي القادر على تفكيك الأكاذيب ومنع حملات التشويه يؤدي وظيفة ردع معرفية. والمواطن الواثق الذي لا يسمح بالتنمر عليه يؤدي وظيفة ردع اجتماعية.
كلها صور متحضرة لمعنى قديم: لا تترك الساحة للمعتدي بلا مقاومة.
ومن أعمق ما ينبغي التنبه له أن وجود القدرة على الردع كثيرًا ما يغني عن استعمالها. فالمدينة الآمنة ليست التي يكثر فيها العقاب، بل التي يعرف الناس فيها أن العقاب حاضر إن لزم. والدولة القوية ليست التي تخوض الحروب دائمًا، بل التي تمنع الحروب بقوة استعدادها. والرجل المهاب ليس من يصرخ في كل مجلس، بل من يعلم الناس أن سكوته اختيار لا عجز. وهذه قاعدة نفسية عظيمة: كثير من الشرور يمنعها العلم بإمكان الرد، لا وقوع الرد نفسه.

ومن هنا كان بعض الناس يسيئون فهم الطيبين؛ لأنهم لا يفرّقون بين ترك المواجهة عجزًا وتركها ترفعًا. وقد يظن المتجاوز أنه انتصر لأن خصمه لم يرد، بينما الحقيقة أن خصمه رأى أن مستواه لا يستحق النزول إليه. غير أن هذا الترفع يحتاج أحيانًا إلى سند ظاهر، وإلى قدرة معلومة، حتى لا يُساء فهمه. فالأدب بلا قوة قد يُساء تأويله، كما أن القوة بلا أدب تفسد صاحبها.

وفي تربية الأفراد كذلك درس بالغ الأهمية. فليس المطلوب أن نربي أبناءنا على الشراسة، ولا أن نغرس فيهم الوقاحة، لكن من الخطأ أيضًا أن نربيهم على السذاجة المطلقة، وعلى العجز عن قول “لا”، وعلى تصور أن العالم كله عادل رحيم. التربية المتوازنة تصنع إنسانًا كريمًا يعرف حدوده، شجاعًا لا يعتدي، محترمًا لا يُستباح، قادرًا على الدفاع عن نفسه دون ظلم، وعلى المطالبة بحقه دون فجور. هذا الإنسان هو النسخة الراقية من المعادلة القديمة: حكيم في الأصل، شديد عند اللزوم.

أما الأمم التي تفقد هذا التوازن فتتأرجح بين طرفين مؤذيين: طرف ناعم أكثر من اللازم حتى يُلتهم، وطرف خشن أكثر من اللازم حتى ينفرط. والتاريخ مليء بمشاهد سقوط جماعات مسالمة لأنها لم تتوقع الشر، كما هو مليء بانهيار جماعات عنيفة لأنها جعلت الصدام أسلوب حياة. ومن ثم فإن الحكمة ليست في اختيار أحد الطرفين، بل في الجمع بين الرحمة والهيبة، بين القانون والحزم، بين الانفتاح واليقظة.

وإذا عدنا إلى الأقوال المأثورة مثل: أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم العار والشنار، فإن القراءة الناضجة لها تقول: اعرفوا قيمة من يقوم بالأعمال الشاقة اجتماعيًا، ممن يحمون الجماعة من أذى غيرهم، بشرط ألا يتجاوزوا حدودهم. أما القراءة السطحية فتجعلها دعوة إلى تمكين الطائشين، وهي قراءة معكوسة. فالتراث أذكى من أن يمجّد النقص لذاته، لكنه كان واقعيًا بما يكفي ليعترف بأن المجتمع يحتاج أحيانًا إلى من يتعامل مع النقص الموجود في الناس.

كما ورد عن حليم العرب الأحنف بن قيس التميمي وهو أحد العظماء الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين وسيد من سادات تميم المعدودين والذي قيل فيه ” إذا غضب غضب له مئة ألف لا يدرون فيم غضب جُمع له بين القوة والحلم ويضرب له المثل في الحلم أنه قال ” لأن يطيعني سفعاء قومي أحب من أن يطيعني حلماؤهم ” وهذا يدل أن الحقوق تحتاج إلى حلوق والرأس إلى يد والعكس صحيح في رمزية واضحة المعنى والدلالة .

ولعل أعظم ما في هذه الأمثال أنها تكشف لنا الفرق بين عالم المثال وعالم الواقع. ففي عالم المثال نحب أن يسود الأدب وحده، وأن يكفي العقل وحده، وأن ينتصر الحق بمجرد كونه حقًا. لكن في عالم الواقع يحتاج الحق إلى من يدافع عنه، ويحتاج الأدب إلى من يحميه من الوقاحة، ويحتاج العقل إلى من يفسح له الطريق وسط ضجيج الحمقى. ومن لم يفهم هذا ظل يندهش كل مرة من انتصار الباطل المؤقت، مع أن الباطل كثيرًا ما ينتصر لا لقوته الذاتية، بل لأن أهل الحق تركوه بلا حراسة.

وهكذا فإن القول القديم خاب قوم لا سفيه لهم ليس شعارًا للسفه، بل إنذارًا من الفراغ الدفاعي. وذل من لا سفيه له ليس تمجيدًا للفظاظة، بل تنبيه إلى أن الكرامة تحتاج أحيانًا إلى من يصونها من أهل البذاءة. وإذا أردنا ترجمة ذلك إلى لغة عصرنا قلنا: خاب قوم لا قانون نافذ لهم، وذل قوم لا مؤسسات قوية لهم، وضعف قوم لا يملكون رجالًا يجمعون بين الخلق والصلابة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكبرى أن السفه لا يُمدح، لكنه قد يُستعمل كاسم مجازي لوظيفة الردع حين تعجز الأسماء الأخرى عن أداء المعنى. والمجتمع الراشد ليس الذي يكثر فيه السفهاء، بل الذي يقل فيه الاحتياج إليهم لأن القانون يقوم مقامهم، والعدل يغني عنهم، والمؤسسات تحل محلهم، والثقافة العامة ترفع الناس فوق مستواهم. فإذا تحقق ذلك استراح الحكماء من حمل هذا الهم، واستغنت الجماعة عن الخشونة، وصار الحلم كافيًا لأن وراءه قوة عادلة لا تحتاج إلى صخب.

فلا تُفهم الأمثال بظاهرها، ولا تُقرأ التجارب القديمة بعين معاصرة ساذجة، ولا يُظن أن التراث كان يحتفي بالنقص. إنه كان فقط يعرف الناس كما هم، لا كما ينبغي أن يكونوا، ويعلّمنا أن الفضيلة لكي تبقى فضيلة تحتاج إلى من يحرسها، وأن الكرامة لكي تصان تحتاج إلى من يمنع العبث بها، وأن الحكمة نفسها لا تعيش طويلًا إن تُركت وحدها في ساحة يعربد فيها السفهاء.
ومن أوجه النقص في فهم هذا الموضوع أيضًا أن كثيرين يتصورون أن الردع يعني العدوان، وأن الشدة تعني الظلم، وأن كل صلابة خروج عن مكارم الأخلاق. والحقيقة أن الفرق شاسع بين من يبدأ الناس بالأذى، وبين من يمنع الأذى عن الناس، وبين من يتلذذ بالقسوة، وبين من يستخدم الحزم على كرهٍ منه لحماية النظام العام. فالطبيب قد يجرح لينقذ، والقاضي قد يعاقب ليعدل، والأب قد يشتد ليقوم، والدولة قد تحسم لتحفظ. وليس كل ألم شرًا، كما أن ليس كل لين خيرًا. وكم من تساهلٍ فُهم رحمةً فكان سببًا في اتساع الفساد، وكم من حزمٍ وُصف قسوةً ثم ظهر بعد زمن أنه الذي أنقذ الجميع من فوضى أكبر.
ولذلك فإن الأمم الناضجة لا تخجل من امتلاك أدوات القوة، لكنها تخجل من إساءة استخدامها. فهي لا ترى في الحزم نقيضًا للتحضر، بل جزءًا من شروطه، ولا ترى في الردع مناقضًا للرحمة، بل حارسًا لها. فالرحمة التي لا يحميها نظام قوي كثيرًا ما تتحول إلى فرصة يستغلها العابثون، والحرية التي لا تسندها قوانين نافذة قد تنقلب فوضى تلتهم نفسها بنفسها، والتسامح الذي لا يعرف أين يقف يصبح دعوة مفتوحة للمتجاوزين كي يتمادوا.

ومن لطيف التأمل أن كثيرًا من الشخصيات التي وُصفت عبر التاريخ بالشدة لم تكن في أصلها مولعة بالصدام، بل كانت تعرف أن التهاون في لحظة معينة يكلّف المجتمع سنوات من المعاناة. وبعض القادة الكبار لم يصنع هيبتهم كثرة العقوبات، بل قلة الحاجة إليها؛ لأن مجرد وجودهم كان كافيًا لإيقاف كثير من الانحرافات قبل أن تبدأ. وهذا المعنى بالغ الأهمية، إذ إن أفضل أنواع القوة هي التي تمنع الشر دون أن تضطر إلى الاشتباك معه كل يوم.

وفي البيئات المهنية الحديثة، داخل الشركات والمؤسسات، يظهر المعنى ذاته بصورة مختلفة. فهناك مدير لطيف كريم، لكنه عاجز عن اتخاذ القرار، فيتحول لطفه إلى عبء على فريقه، لأن المسيء يتمادى، والمتكاسل يزداد تكاسلًا، والمجتهد يُستنزف. وهناك مدير حازم منضبط، واضح الحدود، يعرف متى يسمع ومتى يقرر، فيستريح الجميع ولو لم يكن كثير الابتسام. فالناس في العمق لا تبحث فقط عن من يحبها، بل عن من يحفظ النظام ويمنع الفوضى ويعطي كل ذي حق حقه. وهذا يفسر لماذا يلتف الناس أحيانًا حول شخص صارم أكثر من التفافهم حول شخص لطيف مرتبك.

وفي العلاقات الإنسانية الفردية أيضًا، كثير من المظالم تقع لأن الطرف المعتدي يراهن على عجز الطرف الآخر عن المواجهة. المتنمر في المدرسة، والمستغل في العمل، والمخادع في التجارة، والمبتز في العلاقات، كل هؤلاء يعتمدون على فرضية واحدة: أن الضحية ستسكت. فإذا سقطت هذه الفرضية سقط كثير من سلطانهم. ولهذا فإن تعلم الإنسان كيف يضع حدودًا واضحة، وكيف يرفض الإهانة، وكيف يستخدم الوسائل القانونية والاجتماعية لحماية نفسه، هو صورة حديثة راقية من امتلاك “السفيه الرمزي” الذي تحدثت عنه الأمثال القديمة، أي امتلاك قدرة الرد لا التورط في الانحدار.

ومن أخطر ما يواجه المجتمعات المعاصرة ظاهرة تزييف المفاهيم؛ إذ يُسوَّق الضعف أحيانًا على أنه تسامح، ويُسوَّق التهور على أنه شجاعة، ويُسوَّق الصراخ على أنه صراحة، ويُسوَّق التنازل الدائم على أنه حكمة. بينما الحقيقة أن الحكمة ليست استسلامًا، والشجاعة ليست ضجيجًا، والصراحة ليست وقاحة، والتسامح ليس قبولًا بالإهانة. ومن لا يفرّق بين هذه المعاني يختلط عليه الرجال والصفات، فيعطي كل لقب لغير أهله.

ومن ثم فإن المقالة الأعمق في هذا الباب ليست دعوة إلى صناعة سفهاء، بل دعوة إلى صناعة توازن. نريد عقلًا يرى بعيدًا، وقلبًا لا يظلم، ويدًا تستطيع الحماية، ولسانًا يعرف متى يصمت ومتى يتكلم. نريد إنسانًا لا يستعرض قوته على الضعفاء، ولا يتنازل عنها أمام الأقوياء. نريد مجتمعًا لا يقدس الخشونة، ولا يستهين بها حين تدعو الحاجة المشروعة إليها. نريد دولةً لا تقسو على الأبرياء، ولا تتراخى مع المفسدين. نريد أسرةً تربي أبناءها على الأدب، ومعه الثقة والقدرة على الدفاع عن النفس.

وليس سرًا أن كثيرًا من الانهيارات الكبرى بدأت من استهانة صغيرة. كلمة تجاوز لم تجد من يوقفها، مخالفة تُركت بلا حساب، متعدٍ جُرّب معه اللين مرات بلا جدوى، فظن أن الطريق مفتوح. ثم تتراكم التفاصيل حتى تصير أزمة عامة. لذلك قال الحكماء إن معالجة الشر في بدايته أرحم من معالجته بعد استفحاله. والردع المبكر العادل أهون من العقوبات القاسية المتأخرة. ومن يفهم طبائع البشر يدرك أن الحدود الواضحة نعمة، لأنها تمنع الناس من اختبار الأسوأ في أنفسهم.

وفي المقابل، فإن من أكبر أسباب الاستقرار أن يشعر الجميع بوجود ميزان لا يميل. حين يعلم الشريف أن كرامته مصونة، ويعلم الضعيف أن حقه محفوظ، ويعلم القوي أن تجاوزه لن يُغفر له، تهدأ النفوس وتستقيم الحياة. أما حين يغيب هذا الميزان، يبحث كل طرف عن وسيلته الخاصة للحماية، فتكثر العصبيات، وتنتشر الشخصيات الخشنة، ويعود المجتمع خطوة إلى الوراء. لذلك فوجود “السفيه الفرد” كثيرًا ما يكون عرضًا لغياب “العادل المؤسسي”.

ومن الحكمة كذلك ألا نُسقط هذه الأقوال على كل زمان بالصيغة نفسها. فما احتاجته القبيلة بالسيف والهيبة قد تحتاجه المدينة الحديثة بالقانون والاحتراف. وما كان يُنجز قديمًا برجل واحد قد يُنجز اليوم بمنظومة تدريب وتشريع ومحاسبة. لكن جوهر المسألة لا يتغير: الحقوق لا يكفي أن تكون صحيحة، بل يجب أن تكون محمية. والقيم لا يكفي أن تكون جميلة، بل يجب أن تكون قابلة للحياة وسط عالم لا يخلو من الأنانية والصراع.
ولعل أجمل ما نختم به أن الإنسان الكامل ليس هو من لا يغضب أبدًا، ولا من يغضب دائمًا، بل من يملك غضبه ويوجهه. وليس القوي من يبطش متى شاء، بل من يستطيع البطش ثم يختار العدل. وليس الحكيم من يهرب من كل مواجهة، بل من يعرف أي مواجهة تستحق، وكيف تُدار، ومتى تنتهي. وهنا يلتقي الحلم بالقوة، وتلتقي الأخلاق بالفعالية، ويصبح المجتمع قادرًا على أن يكون كريمًا دون أن يكون ساذجًا، وقويًا دون أن يكون متوحشًا.

وهكذا تعود بنا الأمثال القديمة إلى درس خالد: أن الخير إذا أراد البقاء احتاج إلى حارس، وأن الحق إذا أراد الظهور احتاج إلى من يدافع عنه، وأن الأدب إذا أراد الاحترام احتاج إلى حدود تمنع امتهانه. فلا تمجّد السفه، ولا تحتقر معنى الردع، ولا تخلط بين الطيش والحزم، ولا بين الصمت والحكمة، ولا بين اللين والضعف. فالناس لا يصلحهم خلق واحد مجرد، بل تصلحهم منظومة يتعانق فيها العقل مع القوة، والرحمة مع النظام، والكرامة مع القدرة. وإذا تحقق ذلك، لم نعد بحاجة إلى السفهاء أصلًا، لأن المجتمع نفسه يصبح أقوى من كل سفيه.
ومن أوضح النماذج القديمة الحجاج بن يوسف الثقفي مع الدولة الأموية، خاصة في عهد عبد الملك بن مروان. فعبد الملك كان الخليفة السياسي المنظم، بينما الحجاج تولى جانبًا من القسوة والبطش والخطاب العنيف الذي لم يكن الخليفة يمارسه بنفس الدرجة علنًا. كان الحجاج بالنسبة للدولة أداة صدام، يتكلم بحدة، يبطش، ويكسر الخصوم.
وهذا من أشهر أمثلة الحاكم الذي يستعين بشخصية منفّرة تؤدي ما لا يريد هو أن يباشره بوجهه السياسي.

وفي العصر العباسي ظهر هذا النمط مع بعض الخلفاء الذين استعانوا بوزراء أو قادة عُرفوا بالجفاء والغلظة وإهانة الخصوم. فكثير من الخلفاء احتفظوا بصورة “ظل الله في الأرض”، وتركوا القسوة للوزير أو القائد أو الحاجب.

وفي الأندلس أيضًا، بعض الأمراء استعانوا بحاشية القصور أو الحجاب أو قادة الشرطة المعروفين بالسوء والفظاظة، ليقوموا بأعمال البطش أو إذلال المعارضين، بينما يبقى الأمير في صورة المترف الراقي.

وفي الإمبراطورية الرومانية كان الأباطرة كثيرًا ما يستخدمون المهرجين، والمخبرين، والوشاة، والجلادين، والمستشارين البذيئين. الإمبراطور نيرون مثلًا أحاط نفسه بشخصيات سيئة السمعة كانت تقوم بالإهانة والتنكيل والمؤامرات، بينما هو يحتفظ بهيبة الإمبراطور. وكذلك كاليغولا اعتمد على شخصيات منحطة السلوك لترويع مجلس الشيوخ وإذلال خصومه.

وفي فرنسا قبل الثورة، كان بعض الملوك يستخدمون رجال البلاط المعروفين بالخسة والوشاية والسخرية من الخصوم، لأن البلاط لم يكن فقط مكان حكم، بل مكان إذلال سياسي ناعم.

وفي روسيا القيصرية، ارتبط اسم راسبوتين ببلاط القيصر نيقولا الثاني. ورغم أنه لم يكن موظفًا رسميًا، فقد استُخدم وجوده ونفوذه في القصر بصورة أثارت غضب الناس والنخبة. كان شخصية فوضوية، مثيرة، منفلتة، لكنها نافعة لبعض دوائر الحكم لأنها أربكت الموازين التقليدية.

وفي التاريخ العثماني، استعان بعض السلاطين برجال حاشية أو خصيان قصر أو رجال أمن ذوي سمعة سيئة، يقومون بأدوار الابتزاز والتهديد وجمع الأسرار، بينما يبقى السلطان فوق المشهد.

وفي بعض الأنظمة الحديثة، استخدم زعماء إعلاميين، نوابًا، كتابًا، رجال أمن، متحدثين غير رسميين للقيام بدور السفيه السياسي: السب، التخوين، التهديد، السخرية من المعارضين، ونشر الرسائل الخشنة، بينما يحتفظ رأس النظام بلغة أكثر هدوءًا ورسمية.

وفي عالم الأعمال أيضًا، بعض رجال الأعمال الكبار يحيطون أنفسهم بمدير تنفيذي فظ أو محامٍ عدواني أو متحدث شرس، يرفض الطلبات، يهين المنافسين، يضغط على الموظفين، ويقوم بالأعمال التي لا يريد صاحب الشركة أن ترتبط باسمه مباشرة.

وفي التاريخ الاجتماعي، حتى زعماء العصابات والمافيات اعتمدوا دائمًا على هذا النموذج: الزعيم يبدو هادئًا، أنيقًا، قليل الكلام، بينما حوله شخص منفلت ينفذ التهديد والإهانة والتكسير. وهذا جوهر الفكرة التي تبحث عنها.

إذن نعم، الشخصيات الكبرى عبر التاريخ كثيرًا ما استعانت بالسفهاء، لا بالأقوياء فقط. لأن السفيه يؤدي وظيفة خاصة:
يقول ما لا يقال ويفعل ما لا يليق بالقائد ويختبر ردود الفعل ويرهب الخصوم ويشغل الناس بالضجيج
لكن هذه الاستعانة لها ثمن خطير؛ لأن السفيه إذا تمدد أفسد صورة من استخدمه، وإذا صدّقه الناس صار أخطر من سيده، وإذا انفلت كشف الجميع.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com