الجمعة , فبراير 27 2026 | 5:36 م
الرئيسية / فنون / أثر السلالة في السلوك الأخلاقي: كيف يعود الإنسان إلى أصله.. قراءة الشريف خالد آل أبلج

أثر السلالة في السلوك الأخلاقي: كيف يعود الإنسان إلى أصله.. قراءة الشريف خالد آل أبلج

فيلادلفيا نيوز

الشريف المؤرخ /  خالد آل أبلج

 

منذ فجر الوعي الإنساني، أدركت العقول المفكرة أن لكل كائنٍ جذورًا تُغذّي سلوكه، وأن السلالة ليست مجرد نسبٍ في الدم، بل إرثٌ يجري في الطبع والروح. فبذرة التفاح لا تُنبت برتقالًا، لأنها محكومة بجوهرها، كما أن الحصان الأصيل تُعلن أصالته تصرفاته قبل ملامحه، إذ تنطق طباعه بما ورثه من عراقة السلالة ونقاء الأصل.

 

ومن هنا يطل السؤال الأزلي: أيعقل أن الإنسان أيضًا أسيرُ إرثه الخفي؟

 

هل تحمل أنسابنا وبذور عائلاتنا القديمة الشفرة التي تُفسّر سلوكنا وميلنا ونزوعنا في الحياة؟

 

وهل يمكن للإنسان أن “ينكسر” على أصله رغم كل محاولات التهذيب والتطوير؟ ثم أليس في قوله ﷺ: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» ما يشير إلى أن المسألة أعمق مما نظن، وأن النطفة التي يستقر عليها الإنسان تحمل في طياتها ملامح أخلاقية ستظهر حتمًا ولو بعد حين؟ إن التأمل في هذه الأسئلة يقودنا إلى استكشاف علاقة معقدة ومتشابكة بين الموروث والمكتسب، بين ما نحمله في جيناتنا من آبائنا وأجدادنا، وبين ما نكتسبه من تربية وبيئة، لنخلص في النهاية إلى أن الإنسان ليس مجرد صفحة بيضاء تكتب عليها التجارب، بل هو كالأرض تحمل في باطنها معادنها، تظهر على سطحها تارة وتختفي تارة، لكنها تبقى هناك في الأعماق، تنتظر من يحفر ليستخرجها.

 

لنتأمل أولاً الخيل العربية الأصيلة، فهي خير مثال على هذه العلاقة، إذ لا تقتصر شهرتها على جمال شكلها ورشاقة حركاتها، بل تمتد لتشمل “نفسها” و”شجاعتها” و”وفائها”، فالفرس الأصيلة إذا تعبت في الصحراء مع صاحبها الجائع، تحس بضعفه فتدله على مكان الماء بحوافرها، وهذا السلوك ليس مكتسبًا بالتعلم، بل هو جزء من جوهرها الموروث الذي يظهر في لحظات الحسم والاختبار. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال: «الخيل معادن»، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي ﷺ: “الناس معادن”، حديث رقم ٣٣٨٣). فشبه ﷺ الناس بالمعادن، أي أن أخلاقهم وطباعهم كمعادن الأرض، بعضها ذهب خالص وبعضها نحاس مخلوط، وهذا التشبيه دقيق، فالذهب يبقى ذهبًا حتى لو علاه الصدأ، والنحاس يبقى نحاسًا حتى لو طلي بالذهب. ومن هنا نفهم لماذا كان العرب يفتخرون بسلالات خيلهم ويتتبعون أنسابها، ليس لمجرد التفاخر، بل لأنهم عرفوا بالتجربة أن السلالة تحمل معها سلوكًا محددًا لا يكذب. وهذه الحقيقة نفسها نراها في عالم النبات، حيث الشجرة المباركة “أصلها ثابت وفرعها في السماء” تؤتي أكلها كل حين. قال تعالى في سورة إبراهيم: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ” (إبراهيم: ٢٤-٢٦). فهذا المثل القرآني يربط بين الأصل المعنوي والأصل المادي، وبين الجذور والثمار، وبين ما نحمله في دواخلنا وما نظهره في سلوكنا، مؤكدًا أن الأصل الطيب ينتج ثمرًا طيبًا، والأصل الخبيث لا ينتج إلا شوكًا ومرارة.

 

هنا يبرز السؤال الأهم: هل الإنسان مجبر على اتباع سلالته البيولوجية أم أن له إرادة وخيارًا؟ والإسلام، دين الفطرة والعقل، يقر بأثر السلالة والبيئة الأسرية والجينات ولا ينكره، لكنه لا يجعل منه قدرًا محتومًا. والدليل على ذلك قوله ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (متفق عليه: رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم ٥٠٩٠؛ ومسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، حديث رقم ١٤٦٦). وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى “الحسب” أي الأصل والشرف، مما يعني أن للمنبت العائلي اعتباره وقيمته في اختيار شريك الحياة، لأنه مؤشر على الاستقامة المستقبلية. وليس هذا فقط، بل إن القرآن يحذرنا من أن نكون تابعين لآبائنا بلا وعي، قال تعالى: “بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ” (الزخرف: ٢٢). فالآية تذم التقليد الأعمى، لكنها في الوقت نفسه تعترف بقوة تأثير “الآباء” و”السلالة” في تشكيل العقلية والسلوك. وهذه القوة ليست مطلقة، بل هي أشبه بالتيار الذي يمكن السباحة معه أو عكسه، لكن السباحة عكسه تحتاج إلى جهد ومجاهدة، وهذا هو مكمن الابتلاء والاختبار، فالله يريد منا أن نختار الخير حتى لو كانت سلالتنا تميل إلى الشر، وأن نتمسك بالحق حتى لو كان آباؤنا على الباطل.

 

وقد كان العرب منذ جاهليتهم وحتى إسلامهم أشد الناس عناية بالأصل والسلالة، وتراثهم الحكمي زاخر بالتأملات العميقة في هذه العلاقة. يقول أبو تمام في حكمته البليغة:

 

وَإِنَّما أَخلاقُهُم أَعراقُهُم

 

وَلِكُلِّ قَومٍ أَصلُهُم في المَعْدِنِ

 

وهذا البيت من قصيدته المشهورة في مدح المعتصم بالله (ديوان أبي تمام، شرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الرابعة، ج٣، ص١٤٢). ومعناه أن أخلاق الناس تنبع من أعراقهم وأصولهم، كما أن معادن الأرض تحدد نوع ما يستخرج منها. ويقولون في أمثالهم: “رب كريم تحته لئيم، ولئيم تحته كريم”، وهذه الحكمة تؤكد أن الأصل ليس جبرًا، فالابن الكريم قد يولد لأب لئيم، والابن اللئيم قد يولد لأب كريم، وهي إشارة إلى أن الأخلاق ليست مجرد ميراث آلي، بل هناك تدخل إلهي ونفحة ربانية تختار من تشاء وتهدي من تشاء. ويقولون أيضًا: “الساقية ترفع الغصن، لكن الغصن له ريحه”، وهذا تعبير بديع يعني أن التربة والماء والرعاية تفعل فعلها، لكن الغصن له طبيعته الأصلية التي قد تخالف كل هذه العوامل الخارجية. ويقولون: “من شابه أباه فما ظلم”، أي أن الشبه في الخلق والخُلق هو الأصل، ومن جاء مخالفًا فهو الاستثناء الذي يحتاج إلى تفسير. هذه الحكم وغيرها كثير مبثوثة في كتب الأمثال العربية كـ”مجمع الأمثال” للميداني (تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، ١٩٥٥) و”العقد الفريد” لابن عبد ربه (تحقيق مفيد قميحة، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٨٣). وهي توضح أن العرب كانوا على وعي بمفهوم الوراثة الأخلاقية، لكنهم لم يجعلوا منها سجنًا، بل اعتبروها أصلًا يمكن للفرد أن يبني عليه أو أن يهذب منه، وكانوا يرون أن الإنسان كالشجرة، لها جذور في الأرض تحدد نوعها، ولها أغصان في السماء تمتد بالتربية والرعاية، فالشجرة التي جذورها فاسدة لا يمكن لأغصانها أن تعيش طويلاً، والشجرة التي جذورها طيبة قد تذبل أغصانها مؤقتًا لكنها تعود للحياة بمجرد توفر الظروف المناسبة.

 

في الحديث النبوي الشريف، نجد إشارات دقيقة لعلم الوراثة المعاصر، يقول ﷺ: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» (رواه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب الأكفاء، حديث رقم ١٩٦٨، وفي سنده مقال، وقد حسنه بعض أهل العلم بطرقه، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني، حديث رقم ١٠٢٢). وهذا الحديث يأمرنا بحسن الاختيار للزوجة، لأن “العرق” أي الصفات الموروثة، تتسرب إلى الأبناء وتظهر في سلوكهم. وكلمة “دساس” هنا عميقة جدًا، فهي توحي بأن هذه الصفات لا تظهر دائمًا على السطح، بل تتسلل خفية، وتنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر، كالنار تحت الرماد، أو كالماء تحت الأرض، وقد يتفاجأ الآباء بأخلاق أبنائهم التي لم يربوهم عليها، لكنها كانت كامنة في عروقهم من أجداد لم يعرفوهم. وفي القرآن آيات تتحدث عن “الذرية” كزينة الحياة، مما يعني أن صلاح الآباء ينعكس على الأبناء، قال تعالى: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور: ٢١). وهذه الآية تفرح المؤمنين بأن الذرية الصالحة هي امتداد لصلاح الآباء، وفيها إشارة إلى أن الإيمان ليس مجرد حالة فردية، بل هو شجرة تمتد جذورها في التربة العائلية لتخرج أغصانًا تحمل الثمر نفسه. وهذا المعنى نجده أيضًا في قصة نوح عليه السلام مع ابنه، فالابن كان من أصل طاهر (أبوه نبي) لكنه اختار طريق الضلال، قال تعالى: “وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” (هود: ٤٥-٤٦). وفي المقابل نجد إبراهيم عليه السلام كان ابنًا لآزر الكافر، قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (الأنعام: ٧٤).

 

ومن ضمن الأثر هو الجينات المتنقلة من جيل لآخر في قوله تعالى: “ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ”، وهذه إشارة إلى توارث الطباع والصفات كانت جيدة أم لا، وحتى البركات أو اللعنات سواء مثل قوله تعالى: “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”، وكذلك الاستشهاد بقوله تعالى: “وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ”، وكلها دلائل قرآنية على أن الصفات الأخلاقية والسلوكية والروحية قد تنتقل عبر الأجيال في أثر ممتد، يورث البركة أو البلاء بحسب ما غُرِس في الأصل.

 

وهذه القصص القرآنية تضع أمامنا النموذج المتوازن: الأصل يؤثر ولا يجبر، والاختيار الشخصي هو الحاسم، لكنه يحتاج إلى مجاهدة أعظم عندما يكون الأصل سيئًا، وهي مجاهدة ترفع صاحبها درجات.

 

إن من أعمق التأملات في هذه المسألة ما نجده عند المتصوفة والعلماء الربانيين، الذين نظروا إلى “الأصل” ليس فقط كسلالة بيولوجية، بل كنفس مطمئنة أو أمارة، وكزرع إيماني يغرسه الله في القلوب. يقول ابن القيم رحمه الله في “مدارج السالكين” (تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت: دار الكتاب العربي، ١٩٩٦، ج١، ص٢٧٨): “النفوس أشرفها وألطفها وأزكاها أقبلها للخير وأسرعها استعدادًا له، وأخبثها وأكدرها وأظلمها أبعدها من الخير وأقبلها للشر، وهذا أمر مشاهد بالعيان، فإن الولد يشبه أبويه في الأخلاق والطباع والغضب والحلم والسخاء والبخل والجبن والشجاعة، حتى إنك لتجد البنت تشبه أمها في حركاتها وهيئاتها وأخلاقها، وكذلك الولد يشبه أباه، وهذه خاصة جعلها الله في النطفة، فهي تحمل طباع صاحبها وأخلاقه كما تحمل صورته الخلقية”. وهذا النص العميق لابن القيم يجمع بين التأمل الروحي والمشاهدة الحسية، ويؤكد على أن النطفة تحمل مع الصورة الجسدية صفات أخلاقية تنتقل عبر الأجيال. لكن ابن القيم في الوقت نفسه يؤكد على أن التربية والمجاهدة يمكن أن تحول الأرض السبخة إلى أرض صالحة بالعلاج والصبر. وهنا تظهر روعة التصور الإسلامي الذي لا ينفي تأثير الأصل ولا يجعله قدرًا، بل يجعله نقطة بدء تحدد مقدار الجهد المطلوب، لا النتيجة النهائية المحتومة، فالذي ينحدر من أصل طيب تكون انطلاقته أسهل، لكنه قد يخون أصله فينحدر إلى أسفل السافلين، والذي ينحدر من أصل غير طيب يحتاج إلى جهد أعظم، لكنه قد يصعد إلى أعلى عليين، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه أحمد في مسنده، حديث رقم ٨٩٥٢، وقال محققو المسند: إسناده صحيح؛ والبخاري في الأدب المفرد، حديث رقم ٢٧٣، وصححه الألباني)، أي أنه جاء ليصقل الموجود ويهذب الفطرة، لا ليخلق من عدم.

 

إذا فالوراثة تؤثر بشكل كبير على السمات العامة، كما أن علم النفس والاجتماع يشير إلى أن التربية والثقافة والتعليم والقدوة وقوانين المجتمع أيضًا تؤثر على السلوك والأخلاق نتاج تفاعل بين الجينات الوراثية والبيئة التي يتبناها الفرد كاختيار شخصي، لأن هناك استعدادًا وراثيًا قد يجري تعديل سلوكه بالتعلم والتجربة. فالجينات هي صفات بيولوجية تجري بالإنسان من والديه وراثة تؤثر في الاستعداد الفطري وليس في السلوك النهائي مثل درجة الانفتاح الاجتماعي، وهي تعطي قابلية وميلاً لكنها لا تجبر الشخص على سلوك معين. والبيئة منذ ولادة الإنسان تشكل طريقة التعبير عن الصفات وتعززها أو تضعفها مثل تعلم القيم والمعايير الأخلاقية وتطور مهارات التحكم في النفس، لذلك فإن البيئة تحدد غالبًا كيف تظهر الصفات وليس وجودها. فالجينات فطرية واستعداد قبل الولادة، والبيئة اكتساب وتشكيل وتوجيه بعد الولادة، والجينات تضع الأساس والبيئة تبني عليه، فهي بين بذرة الجينات وتربة البيئة، وهي تنمو بتفاعل الاثنين معًا، فالأولى قابلية وهي المخطط الأولي، والثانية مشغل لأي جزء سيتم تفعيله. فالتعبير الجيني يكون حسب البيئة فيمكن تفعيله ويمكن تثبيطه، وهذا ما يفسر شخصين متشابهين وراثيًا قد يتصرفان بشكل مختلف حسب تجاربهما الشخصية وخبراتهما الحياتية من نجاح وفشل وصدمات وتشجيع تعيد تشكيل طريقة التفكير والاستجابة، وهي ما تُسمى بالمرونة، فالجينات تحدد ما يمكن أن تكون عليه، والبيئة تحدد ما تصبح عليه فعلاً وتشكل الاتجاه الذي تسير فيه الصفات الفطرية. فعلم النفس السلوكي يشير إلى أن حوالي 60% من الفروق الشخصية تعود إلى عوامل وراثية، وهذه نسبة عالية تثبت التأثير الوراثي الجيني ودلالة على أن أحد الجانبين لا يلغي الآخر. ولكن تكون الوراثة أقوى وضوحًا عند الرضع في الطباع الأساسية لأنها تظهر مبكرًا. فالوراثة تعطيك مجموعة صفات جيدة ربما، لكن البيئة تعطيك طريقة تصرفات سيئة، والعكس صحيح، لذلك من السهل تغيير الصفات المكتسبة لكن من الصعوبة جدًا تغيير الصفات الوراثية، لأن الصفات الوراثية مصدرها الجينات وتكون جزءًا من البنية البيولوجية للشخص، فيصعب تغييرها لأنها استعداد فطري، أما الصفات المكتسبة قابلة للتغيير والتدريب والتعلم. فالجينات لا يمكن تغيير نفسها لكن يمكن تغيير طريقة التعبير عنها.

 

وإذا أردنا أن نفهم كيف يعود الإنسان إلى أصله، فلنتأمل هذه الظاهرة في لحظات الصدق مع النفس، وفي المحن والشدائد، وفي ساعات الغضب والفرح، وفي أوقات الاختيار المصيري، ففي هذه اللحظات تتساقط عن الإنسان طبقات التصنع والتكلف والتربية المصطنعة، ويظهر جوهره الحقيقي الذي استمده من أصله البعيد، وكأن كل ما تعلمه وتربى عليه كان مجرد قشرة رقيقة، تنكسر عند أول اختبار حقيقي ليظهر المخبوء في الأعماق. ولهذا ترى الرجل الهادئ المتزن في حياته العادية، إذا غضب انفجر غضبًا لا يشبهه، لأنه استعار هدوءه من التربية لكن أصله كان ناريًا، وترى الرجل الحاد الطباع، إذا أحب أحب بصدق وعمق يفاجئ الجميع، لأن أصله يحمل معدنًا كريمًا رغم قسوة المظهر. وهذا هو السر في قولهم: “إذا كُرم الرجل أكرم نفسه، وإذا لؤم الرجل لؤم أصله”، أي أن الكرم الحقيقي هو الذي ينبع من الداخل ولا يُستعار من الخارج، واللؤم الحقيقي هو الذي يتسرب من الجذور مهما تظاهر صاحبه بالتحضر. وقد عبر عن هذا المعنى بديع الزمان الهمذاني في مقاماته (مقامات بديع الزمان الهمذاني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة: مطبعة السعادة، ١٩٢٣، المقامة المديرية، ص٧٨) حين قال: “والأصل يبقى على الإنسان وإن زها * فيه التكلف أيامًا وأزمانا”.

 

والعودة إلى الأصل لا تعني أن الإنسان مسير لا اختيار له، بل تعني أن هناك طبقات في النفس البشرية، أعمقها تلك التي شكلتها الوراثة والبيئة الأولى، وهذه الطبقة تظل حية، تتفاعل مع الخبرات الجديدة، لكنها تظل هي نقطة الارتكاز التي يعود إليها الإنسان في لحظات اللاوعي أو الضعف أو القوة المفاجئة. وكما قال النبي ﷺ: «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الراحة، حديث رقم ٦٤٩٨؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله عنه، حديث رقم ٢٣٩١). ومعناه أن الكثرة لا تعني الجودة، والنادر هو الجيد، والجيد هو الذي يحمل في أصله صفات الراحة والسير الحسن، حتى لو تخلف عن القافلة أحيانًا. وهذه النظرة المتوازنة تخلصنا من طرفين مذمومين: الطرف الأول هو الذين ينكرون تأثير الأصل تمامًا، ويرون أن الإنسان صفحة بيضاء تكتبها التربية والمجتمع، وهذا خلاف المشاهدة والتجربة والوحي، والطرف الثاني هم الذين يجعلون من الأصل قدرًا محتومًا، فييأسون من إصلاح أنفسهم أو إصلاح غيرهم، وهذا خلاف سنة الله في الابتلاء والتكليف. وبين هذين الطرفين يسير المؤمن الواعي، الذي يعترف بوزن الأصل ولا ينكره، ويعترف بقوة التربية والمجاهدة ولا يستهين بها، فيجتهد في اختيار الأصل الطيب لذريته، ويجتهد في تربية نفسه وذريته على الأخلاق الفاضلة، ويدعو الله أن يتمم له الخير حيث كان.

 

وفي الختام، نقف عند حقيقة مؤداها أن أثر السلالة في السلوك الأخلاقي هو حقيقة شرعية وتجريبية ومشاهدة، لا يمكن إنكارها ولا المبالغة فيها. وهذه الحقيقة لا تلغي دور التربية ولا قيمة الإرادة البشرية، بل تجعل منهما تحديًا أعظم، فالإنسان الذي يحمل أصلًا طيبًا مطالب بأن يحافظ عليه ويشكره، والإنسان الذي يجد في أصله عوائق مطالب بأن يجاهد ليتجاوزها. وفي كل الأحوال، فإن العبرة بالخواتيم، وبما يموت عليه الإنسان من أخلاق وسلوك. والإسلام وسط في ذلك، يدعونا لننظر إلى الأصل كأساس قوي يمكن البناء عليه، وكمنبع للخير يمكن استخراجه بالتربية والمجاهدة. ونحن اليوم، في زمن الانفتاح والخلط بين المفاهيم، والهوس بالمساواة المطلقة التي تنفي أي تمييز حتى الإيجابي منه، أحوج ما نكون إلى إعادة النظر في مفهوم الأصل والسلالة، ليس لنخلق تفرقة بين الناس على أساس الجاه أو النسب، بل لنفهم أن الإنسان مثل النخلة، إن طاب أصله وطابت تربته واجتهد صاحبه في رعايته، أثمر تمرًا هنيئًا، وإن خبث أصله فلن ينفع معه كثرة التطعيم والتزيين. لكن يبقى باب التغيير مفتوحًا لمن أراد، وباب الرحمة واسعًا لمن تاب وأناب. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات: ١٣). فالمعيار عند الله هو التقوى لا النسب، لكن هذا لا يلغي أن النسب عون على التقوى أو عائق عنها، وأن الأصل قرينة وليس يقينًا، ودلالة وليس حتمًا. فاختر لنفسك ولذريتك أصلًا طيبًا، فإن العرق دساس، والناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، وخير الناس من جمع إلى طيب أصله كرم فعله، ومن لم يكن له أصل طيب فليصنع لنفسه أصلاً بطيب عمله، فالإنسان بنفسه لا بولادته.

 

ويجب على المرء أن يكون شعاره كما قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:

 

لَسنا وَإِن أَحسابُنا كَرُمَت

 

مِمَّن عَلى الأَحسابِ يَتَّكِلُ

 

نَبني كَما كانَت أَوائِلُنا

 

تَبني وَنَفعَلُ مِثلَ ما فَعَلوا

 

لذلك وفي الخاتمة:

 

يعيش الفرد ثم الأسرة بحصاد الأجداد الإيجابي أو السلبي، حصاد تتوارثه الأجيال من مبدأ قوله تعالى “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”، فتخيروا لنطفكم وأصلحوا أنفسكم لتحفظ ذرياتكم.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com