عاقب الشتا بزربوله
الاصوات التي تصدر من مسؤولين سابقين اصبحت تعمق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
ليست المشكلة الوحيدة اليوم في كثرة الكلام والتصريحات والمقابلات خاصة مع وجود مئات الإعلاميين وغير إعلاميين فكل شخص عنده قناته الخاصة والكل يبحث عن الترندات او ايهما اشطر في كشف الفضائح
المشكلة ايضا فيمن ياتي متاخرا ليظهر بصورة المصلح او الناصح او الشريف
كلام يبدو في ظاهره شجاعة لكنه في نظر الناس يثير اسئلة اكثر مما يقدم اجابات حين يخرج مسؤول سابق ليتحدث عن الفساد والتجاوزات فان اول ما يتبادر الى الذهن اين كنت حين كنت تملك قرار الإعتراض او كشف المستور ؟؟
وحاله ينطبق عليه المثل الشعبي
عاقب الشتا بزربوله
ويُضرب هذا المثل لمن يتأخر في اتخاذ قرار أو فعل عمل معين حتى يفوت وقته المناسب وتنتفي الحاجة إليه كمن يرتدي ملابس ثقيلة أو حذاءً شتوياً بعد انتهاء فصل الشتاء.
فازدواجية الخطاب المتاخر اصبحت ظاهرة واضحة فهناك من يتحدث اليوم بلغة الناقد وهو بالامس كان جزءا من المشهد بل احيانا في قلبه وهذا التحول المفاجئ لا يقنع المواطن بل يدفعه للاعتقاد بان ما يقال ليس بدافع الاصلاح بقدر ما هو محاولة تبرئة ذات او اعادة تموضع او حتى تصفية حسابات
ومن يتحدث اليوم عن الفساد لا يمكن عزله عن ماضيه سواء كان منتفعا او راضيا او صامتا او متبنيا ثقافة حط راسك بين الروس
والصمت هنا شكل من اشكال المشاركة غير المباشرة في الخطيئة لذلك فان الخطاب الذي لا يسبقه اعتراف صريح بهذا الدور يفقد مصداقيته ويصبح اقرب الى التناقض منه الى الشهادة
وما يزيد الامر تعقيدا ان بعض هذه التصريحات لا تكون منضبطة او موثقة بل تاتي بصيغة عامة وانفعالية
فتؤدي الى نتيجة عكسية
فبدلا من ان تعزز الوعي تزرع الشك
وبدلا من ان تفتح باب الاصلاح توحي بان الفساد كان شاملا بلا استثناء
وهذا اخطر ما في الامر لانه يهز ثقة الناس بكل شيء
المطلوب ليس اسكات الاصوات بل ضبط المعايير
وان يرافق الاعتراف مراجعة صادقة للدور الشخصي وان يستند الحديث الى وقائع قابلة للتحقق لا الى انطباعات عامة
وان يكون النقد اداة بناء لا وسيلة تشهير او تعميم او هدم
في النهاية ليست القضية من يتكلم
بل كيف ومتى وباي رصيد اخلاقي يتكلم فالكلمة التي تأتي متأخرة قد تسمع لكنها لا تصدق
اما الكلمة الصادقة فهي التي تبدا من الاعتراف قبل الاتهام ومن تحمل المسؤولية قبل توزيعها
وعندها فقط يمكن ان تكون جسرا يردم الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا سببا في اتساعها
مطلق أبو أذينة الحجايا
17-5-2026
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ