الأحد , مايو 17 2026 | 8:45 م
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / من يقود ويوجّه المجتمعات في العصر الرقمي ؟… المؤثر أم الصحفي أم خوارزميات المنصات؟

من يقود ويوجّه المجتمعات في العصر الرقمي ؟… المؤثر أم الصحفي أم خوارزميات المنصات؟

فيلادلفيا نيوز

الكاتب والمحلل الأمني د. بشير الدعجه.

في أخطر تحول إعلامي يشهده العالم منذ اختراع التلفزيون… لم تعد معركة الدول مع الشائعات تدور داخل غرف الأخبار… بل أصبحت تدور داخل هاتف صغير يحمله كل مواطن في جيبه… وهنا تحديدًا انفجر الجدل بعد حديث وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني حول الاستعانة بالمؤثرين ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل الحكومية ومواجهة الشائعات… وهو حديث لم يكن عابرًا… لأنه كشف حجم التحول العميق الذي أصاب مفهوم الإعلام والاتصال السياسي في الدولة الحديثة…

القضية هنا ليست تقنية… وليست مجرد استخدام أدوات جديدة للوصول إلى الناس… بل قضية تمس جوهر تشكيل الوعي العام… ومن يملك حق التأثير على عقول الناس ومشاعرهم وقناعاتهم… وهل أصبحت الحكومات تعتقد أن “الترند” أهم من الصحافة… وأن عدد المتابعين أهم من المصداقية والخبرة والتاريخ المهني؟…

الصديق الصحفي خليل النظامي وضع يده على الجرح الحقيقي عندما فرّق بوضوح شديد بين “المشهور” و”المؤثر”… وهي نقطة يجهلها كثيرون حتى داخل المؤسسات الإعلامية نفسها… فالمشهور… كما قال… يروج لسلعة أو منتج أو خدمة… أي أنه يعمل ضمن منطق التسويق والإعلان… بينما المؤثر الحقيقي يؤثر في المعتقدات والسلوك الاجتماعي والقناعات والاتجاهات العامة… أي أنه يدخل في إطار “الدعاية” بالمعنى الاتصالي العميق والخطير للكلمة…

وهنا يجب أن نتوقف طويلًا أمام هذه العبارة… لأن الفارق بين الإعلان والدعاية هو الفارق بين بيع منتج… وصناعة عقل…

الإعلان يقنعك بشراء هاتف أو مطعم أو سيارة… أما الدعاية فتقنعك بمن يجب أن تؤيد… ومن يجب أن تكره… وما الذي يجب أن تخاف منه… وما الذي يجب أن تعتبره حقيقة مطلقة… ولهذا فإن التعامل مع “المؤثر” ليس قضية ترفيهية أو إعلامية بسيطة… بل قضية ترتبط مباشرة بالأمن الثقافي والاجتماعي والسياسي للدولة…

المشكلة الكبرى أن كثيرًا من الحكومات العربية بدأت تنبهر بالأرقام الوهمية لمنصات التواصل الاجتماعي… فترى شخصًا يمتلك خمسة ملايين متابع فتتعامل معه وكأنه قائد رأي عام أو سلطة مجتمعية… بينما الحقيقة مختلفة تمامًا… فهناك مشاهير يملكون ملايين المتابعين لكن تأثيرهم الحقيقي في القضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية شبه معدوم… لأن جمهورهم يتابعهم للتسلية والضحك والفضول وليس لبناء القناعة…

على سبيل المثال… هناك مشاهير عرب يحققون عشرات الملايين من المشاهدات عبر مقاطع الترفيه والمقالب واليوميات والإعلانات التجارية… لكنهم لا يستطيعون تغيير قناعة مجتمع أو تهدئة أزمة أو مواجهة شائعة خطيرة… لأن العلاقة بينهم وبين الجمهور علاقة استهلاك وترفيه لا علاقة ثقة معرفية أو فكرية…

في المقابل… هناك شخصيات قد لا تمتلك نصف هذا العدد من المتابعين… لكنها تملك قدرة هائلة على التأثير الحقيقي لأنها بنت جمهورها على الثقة والخبرة والمعرفة… فالأكاديمي الذي يشرح… والطبيب الذي يوعي… والصحفي الذي يحلل… والمفكر الذي يقرأ المشهد بعمق… هؤلاء هم المؤثرون الحقيقيون حتى لو كانوا أقل شهرة…

ولهذا فإن الخلط بين “المشهور” و”المؤثر” أصبح من أخطر أزمات الإعلام الحديث… لأن بعض الحكومات باتت تتعامل مع أي شخص يمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين على أنه قادر على حمل الرسالة الوطنية… بينما الواقع يقول إن الشهرة لا تعني النضج… ولا تعني الوعي… ولا تعني الانتماء… ولا تعني القدرة على إدارة الرأي العام وقت الأزمات…

الخطورة الأكبر أن منطق المنصات الرقمية يقوم أصلًا على الإثارة والاستفزاز والاختصار والانفعال… بينما القضايا الوطنية تحتاج عمقًا وتحليلًا ومسؤولية واتزانًا… فالصحفي المحترف يفكر بعواقب الكلمة… أما كثير من مشاهير المنصات فيفكرون بعدد المشاهدات والتفاعل والإعلانات…
وهنا يصبح السؤال الأخطر… ماذا يحدث عندما تصبح الرواية الرسمية للدولة خاضعة لمنطق “اللايك” و”الريلز” و”الترند”؟…

الحقيقة التي يجب قولها بوضوح… أن الوزير لم يكن مخطئًا بالكامل… لكنه أيضًا لم يكن محقًا بالكامل…
كان محقًا عندما أدرك أن الإعلام التقليدي لم يعد وحده قادرًا على الوصول السريع إلى الناس… وأن الشائعة اليوم تنتشر خلال دقائق بينما قد يحتاج البيان الرسمي ساعات طويلة حتى يصل للجمهور… وأن معركة الوعي انتقلت فعليًا إلى المنصات الرقمية…

لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول استخدام المؤثرين إلى بديل عن الإعلام المهني والمؤسسات الصحفية… لأن الدولة عندما تضعف الصحافة فهي تضعف آخر خط دفاع مهني يحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية…

الصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار… بل مؤسسة لصناعة الوعي والتدقيق والتحقق والمساءلة والتوثيق وبناء الذاكرة الوطنية… أما المشهور فهو ابن اللحظة… يعيش على سرعة التفاعل… وقد يغيّر مواقفه وقناعاته وخطابه خلال ساعات تبعًا لمصالحه أو جمهوره أو مزاج المنصة…

ولذلك فإن الدول القوية لا تلغي الصحافة لصالح المؤثرين… بل تستخدم المنصات الحديثة ضمن استراتيجية إعلامية متكاملة يكون فيها الإعلام المهني هو المرجعية الأساسية… بينما تكون المنصات الرقمية أداة للوصول والانتشار فقط..
أما تحويل المشهور إلى بديل عن الصحفي… فهو أشبه بمن يستبدل الطبيب بمروج إعلانات دوائية فقط لأنه مشهور أكثر على الإنترنت…

وفي قراءة أعمق للمشهد… فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس انتشار الشائعات بحد ذاته… بل انهيار الفاصل بين “المعلومة” و”الترفيه”… وبين “الصحفي” و”صانع المحتوى”… وبين “الرأي العام” و”الجمهور الرقمي المنفعل”… وهذه الفوضى إذا لم تُضبط مهنيًا وأخلاقيًا فقد تتحول مستقبلًا إلى تهديد مباشر للاستقرار الثقافي والاجتماعي والسياسي…

خلاصة القول… ليست المشكلة في وجود المؤثرين… ولا في استخدامهم… بل في الدولة التي لا تميز بين من يبيع منتجًا… ومن يصنع قناعة… ومن يطارد الترند… ومن يحمي وعي المجتمع…
فالمشهور يستطيع أن يبيع الناس عطرًا أو هاتفًا أو مطعمًا…
لكن المؤثر الحقيقي يستطيع أن يغير سلوك شعب كامل…

وهنا تحديدًا تصبح المسألة أخطر بكثير من مجرد حملة إعلامية عابرة…

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com