فيلادلفيا نيوز
الدكتور محمد رسول الطراونة
لم تكن قرية “ حمود “ في محافظة الكرك تتوقع أن يأتي يوم يتردد فيه اسمها في بيوت الأردنيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وأن تتحول كنيسة صغيرة في قرية هادئة إلى حكاية وطن بأكمله. لم تكن “ حمود “ تبحث عن الأضواء، ولم تكن تريد أن يعرفها الناس إلا كما عرفها أهلها: قرية وادعة، لها بيوتها ووجوهها الطيبة وذكرياتها وأهلها الذين يمضون في حياتهم ببساطة وطمأنينة. لكن الجريمة التي شهدتها كنيستها مؤخراً بدّلت المشهد؛ فدخل الحزن بيوتها، وامتد صداه إلى قلوب الأردنيين، وأصبح اسم “ حمود “ أكبر من حدودها الجغرافية، وأعمق من خبر عابر في نشرات الأخبار.
هناك، في قرية كان يفترض أن تمر أيامها مثل أي أيام أردنية عادية، تركت الحادثة أسئلة موجعة في النفوس. كيف يمكن لمكان خُصص للعبادة والصلاة أن يصبح مسرحاً لجريمة؟ وكيف يمكن أن يشعر إنسان بالخوف في المكان الذي يقصده طلباً للسكينة؟ وكم من أمٍّ أو أبٍ أو طفلٍ في القرية عاش لحظات القلق والحيرة، وهو يحاول استيعاب ما حدث؟ إن وراء كل حادثة مؤلمة بشراً لهم مشاعرهم ومخاوفهم وذكرياتهم، ووراء اسم القرية عائلات لا ينبغي أن ننسى ألمها ونحن نتحدث عن الوحدة الوطنية والمواقف الكبيرة.
لهذا، فإن أول ما تستحقه الكرك و “ حمود “ ليس الكلمات وحدها، بل التضامن الإنساني الصادق مع أهلها، والوقوف إلى جانبهم، وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذا الألم. أن يشعر أهل القرية بأن أبناء الأردن جميعاً يشاركونهم الحزن، وأن مصابهم لم يبقَ حبيس بيوتهم أو جدران كنيستهم، بل وصل إلى كل قلب يؤمن بأن الإنسان أغلى من كل خلاف، وأن حرمة دور العبادة لا تقبل المساومة.
إن الاعتداء على كنيسة ليس شأناً يخص المسيحيين وحدهم، كما أن الاعتداء على مسجد ليس قضية تخص المسلمين وحدهم. كلاهما قضية وطنية وإنسانية تمس جوهر المجتمع، لأن حرية العبادة وكرامة الإنسان وحقه في الأمن ليست امتيازات تمنحها جماعة لأخرى، بل حقوق أصيلة لكل مواطن. وحين يُصاب مكان للعبادة، فإن الألم لا ينبغي أن يُقسَّم بحسب هوية المصلين؛ فالحزن واحد، والوجع واحد، والوطن الذي يجمعنا واحد.
ولعل ما يجعل الحادثة أكثر إيلاماً أن الكرك ليست مكاناً طارئاً على تاريخ العيش المشترك في الأردن، إنها محافظة عريقة، عرفت معنى الجيرة والوفاء والتكافل، وعاش أبناؤها المسلمون والمسيحيون عبر أجيال في علاقات تجاوزت حدود التعارف إلى الشراكة الحقيقية في الحياة. في أفراحهم يتبادلون التهاني، وفي أتراحهم يتقدمون للمواساة، وفي تفاصيل أيامهم يتقاسمون هموم المكان وأحلامه، لم تكن هذه العلاقة يوماً مجرد صورة جميلة للمناسبات، بل جزءاً من الحياة التي عرفها الناس ومارسوها جيلاً بعد جيل.
كم من بيت في الكرك يعرف جاره منذ عشرات السنين، وكم من عائلة لا تتذكر من تاريخ علاقتها بجيرانها إلا المواقف الطيبة، وكم من طفل نشأ وهو يرى اختلاف الدين أمراً طبيعياً لا يستدعي سؤالاً أو خوفاً! تلك هي الذاكرة الإنسانية التي لا يجوز أن تختزلها جريمة، مهما بلغت بشاعتها، ولا أن يسمح لأحد بتمزيقها عبر الشائعات أو خطاب الكراهية أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل ارتكبه أفراد.
إن المطلوب اليوم هو أن تتكشف الحقيقة كاملة، وأن تأخذ العدالة مجراها، وأن يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فالتسامح لا يعني التهاون مع الجريمة، والوحدة الوطنية لا تعني الصمت عن الخطأ، بل تعني أن نواجه الخطأ بالعدل، وأن نحمي المجتمع من الانتقام والتعميم والانفعالات التي قد تضيف إلى الألم جراحاً جديدة. فلا يجوز أن تتحول الحادثة إلى باب للاتهامات أو مناسبة لإثارة الانقسام، بل ينبغي أن تكون مناسبة لتأكيد أن القانون يحمي الجميع، وأن كرامة المواطنين وحقوقهم ليست موضع مساومة.
ومن واجبنا، في هذه اللحظة، ألا نكتفي بالتعاطف اللفظي مع أهل الكرك عامة و ““ حمود “ ” خاصة، فالتضامن الحقيقي يظهر في السؤال عنهم، وفي الوقوف إلى جانب المتضررين، وفي حماية السلم الأهلي، وفي رفض تداول الشائعات والصور والمعلومات التي قد تزيد معاناة الناس. كما أن للإعلام مسؤولية كبيرة في نقل الحقيقة بمهنية، بعيداً عن الإثارة أو التهويل، لأن الكلمة قد تكون بلسمًا يخفف الألم، وقد تصبح، إذا أسيء استخدامها، سبباً في مضاعفته.
ولا يمكن الحديث عن الأردن دون الإشارة إلى نعمة الأمن والاستقرار التي ينعم بها، وإلى الدور الذي تقوم به مؤسساته في حماية المواطنين وصون القانون. لكن الحفاظ على هذه النعمة مسؤولية مشتركة أيضاً؛ تبدأ من الأسرة، وتتواصل في المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة، وتترسخ في خطاب ديني وإعلامي وتربوي يربي الأجيال على احترام الآخر، ويؤكد أن الاختلاف لا يلغي المواطنة، وأن التنوع لا يهدد الوحدة، بل يثري المجتمع حين تحكمه العدالة والاحترام المتبادل.
إن “ حمود “ اليوم ليست مجرد اسم ارتبط بحادثة مؤلمة؛ إنها تذكير لنا جميعاً بأن قوة الأوطان لا تُقاس بغياب الأزمات، بل بقدرتها على مواجهة الأزمات من دون أن تفقد إنسانيتها. وستكون الرسالة الأجمل لأهلها أن يروا في الأيام المقبلة وجوهاً أردنية تقف إلى جانبهم، وقلوباً تشاركهم الحزن، ومواقف عملية تؤكد أن ما أصابهم لم يعزلهم عن وطنهم، بل قرّبهم أكثر من قلوب أبنائه.
من قرية وادعة إلى مركز حب الأردنيين، تستحق “ حمود “ أن تُذكر بوصفها قريةً احتضنها وطنها في لحظة الألم، لا مكاناً تختصره جريمة، وتستحق كنيستها أن تعود رمزاً للسكينة والعبادة، ويستحق أهلها أن يستعيدوا طمأنينتهم، وأن يشعروا بأن الحياة أقوى من الخوف، وأن المحبة أرسخ من الكراهية.
ستبقى الكرك كرك الوفاء والأصالة، وسيبقى الأردن بيتاً يتسع لجميع أبنائه، مسلمين ومسيحيين، تجمعهم المواطنة وتصونهم العدالة وتربط بينهم حكايات العمر المشترك. أما “ حمود “ ، فقد أصبحت اليوم في قلب كل أردني؛ لأن وجعها وجعنا، وكرامة أهلها كرامتنا، وأمن كنيستها من أمن وطننا.
“ حمود “ ليست وحدها؛ فخلفها وطن كامل، وفي قلبها أردنيون لا يفرق بينهم اختلاف الدين، ولا تهزمهم جريمة، ولا يستطيع الخوف أن ينتزع منهم إيمانهم بأننا، في النهاية، أهل وطن واحد وعائلة أردنية واحدة.
أمين عام المجلس الصحي العلي السابق
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ