فيلادلفيا نيوز
الأستاذ الدكتور احمد محمود الثوابيه
أستاذ القياس والتقويم/ جامعة الطفيلة التقنية
عندما نتحدث عن “التوجيهي” في الأردن، فإننا لا نتحدث عن مجرد مسار إداري، أو عدد مواد دراسية، أو ساعات اختبار جافة، بل نتحدث عن عمق إنساني يمس كل بيت أردني، نتحدث عن طالب يسهر الليل معلقاً بين الخوف والأمل، وعن أسرة تعيش هاجس المعدل وكأنه المعيار الوحيد للحكم على قدرات ابنها ومستقبله، ومن موقعي كمختص في القياس والتقويم، أدرك تماماً أن هذا التوتر التاريخي ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج قسوة أدوات التقويم التقليدية حين تُختزل وظيفتها في “الحُكم والفرز” بدلاً من “البناء والتطوير”.
إن التغييرات التي شهدها نظام الثانوية العامة مؤخراً في الأردن لم تكن ترفاً فكرياً، بل جاءت استجابة لصرخة ميدانية طال أمدها؛ صرخة تطالب بتعافينا من اختزال التعلم في “درجة” صماء على حساب جودة المعرفة والصحة النفسية لأبنائنا، وإن قيادة وزارة التربية والتعليم لهذا المسار التطويري واستماعها للملاحظات الميدانية خطوة شجاعة وتستحق التقدير، ولا نتوقع أبداً أن يكون المقترح الذي قدمته الوزارة حلاً سحرياً لكل المشاكل الاكاديمية والنفسية والاجتماعية المرافقة للامتحان؛ وإنما هو خطوة في الطريق الصحيح، غير أن مسؤوليتنا العلمية لا تقف عند حدود التصفيق للنيات الطيبة، ولا الرفض المسبق للتغيير، بل تبدأ من طرح السؤال الجوهري: إلى أي مدى استطاعت هذه القرارات تحقيق ”صدق التقويم” وعدالته في حياة أبنائنا؟ وانطلاقا من ذلك أؤكد على طرح القضايا الاتية:
1. نظام الحقول: هل نمنح الطالب بوصلة أم نفرض عليه مساراً؟
تُعد فكرة “الحقول” من الناحية التربوية خطوة حضارية نحو تكافؤ الفرص ومراعاةً التنوع والفروق الفردية؛ فالطلبة لا يتشابهون في ميولهم وقدراتهم واتجاهاتهم، فإتاحة مسارات متخصصة تحيي في الطالب دافعية التعلم وتمنحه عمقاً معرفياً يتهيأ به للمرحلة الجامعية.
لكن السؤال المهني والإنساني الذي يفرض نفسه هنا: هل نملك بنية إرشادية متكاملة تحمي الطالب من الاختيار المبكر للتخصص؟
إن اختيار الحقل ليس قراراً عابراً، بل هو قرار يرسم ملامح المستقبل الأكاديمي والمهني للطالب، فهل يمتلك الطالب في هذه السن القدرة على تحديد مساره المستقبلي والأكاديمي، وهل كان أساس الاختيار مبني على القدرات لا على سهولة وصعوبة المواد المطروحة لكل حقل، وهل تم توفير الإرشاد الأكاديمي الكافي لاتخاذ خيار واعٍ؟ وهل يمتلك النظام المرونة الكافية لتصحيح المسار إذا اكتشف الطالب لاحقاً أن قدراته تتجه نحو مسار آخر؟ إن النجاح الحقيقي لنظام الحقول لا يقاس بأسلوب توزيع الطلبة على المسارات، بل بقدرته على تحويل هذه المسارات إلى “بوصلة توجيه” لا إلى “قيد دائم” يصادر فرص المستقبل.
2. فصل شهادة دراسة الثانوية العامة عن القبول الجامعي: إعادة هندسة وظائف التقويم
إذا كان نظام الحقول يعنى بتوجيه البوصلة مبكراً، فإن فصل الشهادة المدرسية عن القبول الجامعي يعيد هندسة محطة الوصول وفق أدبيات القياس والتقويم السليمة.
• فالشهادة المدرسية يُفترض أن تُصمم لقياس مدى تحقق نتاجات التعلم الأساسية لإتمام المرحلة الثانوية.
• أما القبول الجامعي فهو عملية “مفاضلة تنافسية” تحكمها الطاقة الاستيعابية وشروط التخصص في الكليات الجامعية المختلفة.
فتحديد وظيفة كل أداة قياس هو أول طريق العدالة، فالطالب الذي لا يرغب بالالتحاق بالجامعة لماذا نرهقه وأهله بالتقدم لسلسلة من الامتحانات التي لن تضيف له شيء يذكر، كما أننا نعيد بذلك الأهمية للمعلم وللتقويم المدرسي. إن إعادة النظر في وظيفة الامتحان هو تحول نحو “التقويم من أجل التعلم”؛ حيث تؤدي كل أداة وظيفتها بدقة ودون ازدواجية، وبما يحفظ كرامة الطالب ورفاهه النفسي.
3. قضية الطلبة في الخارج: الاختبار الميداني لمرونة النظام وعدالته
تتباين الأنظمة التعليمية بتباين الدول، فالطالب الحاصل على الثانوية العامة الأردنية قد يطلب منه التقدم لعدد من الاختبارات اعتماداً على التخصص الذي يرغب بدراسته إذا رغب بالدراسة في دولة غير الأردن، إن العدالة في القياس لا تعني التطبيق الحرفي الصارم للقواعد على الجميع دون النظر في الظروف والمقدمات، بل تتطلب الوضوح المسبق والإنصاف الموضوعي، وبدلاً من الاكتفاء بسؤال: “هل درس الطالب هذه المادة المطلوبة أو تلك؟”، ينبغي أن نسأل بعقلية المختص:
ما هي الفجوة المعرفية الفعلية لدى الطالب؟
• وكيف نمنحه فرصة عادلة وموضوعية لإثبات كفاياته (عبر امتحانات تحديد مستوى دقيقة أو برامج استدراكية ميسرة) بدلاً من أن يتحمل تبعات اختلافات تنظيمية بين الأنظمة التعليمية؟ إن وجود سياسة وطنية معلنة ومستقرة لمعادلة الشهادات في الخارج هو ضمان ألا يجد الطالب نفسه أمام شروط مفاجئة لم تكن واضحة له عند بدء مسيرته الدراسية.
4. بالأدلة لا بالانطباعات نقيس نجاح الإصلاح
نتمسك في القياس والتقويم بدقة بالقاعدة التربوية: “ما لا يمكن قياسه، لا يمكن تحسينه”، وكما نطلب من المعلم تقويم تعلم طلبته باستمرار لتطوير أساليب تدريسه، فإن المنظومة التعليمية بأكملها يجب أن تخضع لعمليات تقويم دورية ومستقلة، إن قياس نجاح النظام الجديد لا يتأتى ببيانات إنشائية، بل عبر مؤشرات ميدانية صادقة تجيب عن الأسئلة الاتية:
• هل انخفضت مستويات قلق الامتحان في البيوت الأردنية؟
• هل ارتفعت دافعية الطلبة ونمى شغفهم المعرفي بعيداً عن الحفظ والبصم؟
• كيف ينعكس هذا النظام على معدلات استقرار الطلبة وأدائهم الأكاديمي في سنتهم الجامعية الأولى؟
• هل تحققت العدالة وتكافؤ الفرص بين المدارس المركزية ومدارس الأطراف؟
• ما اتجاهات الطلبة وأولياء أمورهم نحو نظام التقويم؟
• ما التحديات التي تواجه نظام التقويم؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟
إن هذه المؤشرات تتطلب دراسات علمية دورية تستند إلى بيانات واقعية من الميدان، وتشمل الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور، للتمييز بين مشكلات الفلسفة ومشكلات التنفيذ وإصلاحها أولاً بأول.
واخيراً إن تطوير الثانوية العامة في الأردن جهد استراتيجي ونبيل يستحق الدعم والاستمرار، لكن أي إصلاح تعليمي كبير لا يكتمل بمجرد إقرار التعليمات أو تغيير أشكال الاختبارات، إن نجاح الإصلاح يقاس بمدى قدرتنا على بناء نظام تقويم عادل، شفاف، وإنساني؛ نظام يرى في الطالب قدرات وإمكانات يسعى لاستكشافها ورعايتها، لا عثرات يحاول اصطيادها، نظام يبني جسراً آمناً للانتقال من المدرسة إلى الجامعة على أسس راسخة من الكفاية وتكافؤ الفرص.
فالنجاح في التربية—كما في القياس—لا يُحسب بما نعلنه من نيات وطموحات، بل بما نحدثه من أثر إيجابي حقيقي في حياة أبنائنا ومستقبلهم.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ