الأحد , ديسمبر 4 2022 | 11:44 م
الرئيسية / stop / “فلسطيني من الكرك” .. قصة حقيقية بأشخاصها وأحداثها

“فلسطيني من الكرك” .. قصة حقيقية بأشخاصها وأحداثها

فيلادلفيا نيوز

شاءت الأقدار أن أقرأ خبرا عن قرب الأفراج عن أحد الأسرى في سجون الإحتلال الصهيوني، من خلال منشور لأحد الأصدقاء عندي، أسير يحمل اسم عائلة جنوبية أردنية وتحديدا من عشيرة الذنيبات المعروفة في الكرك، ليقودني الفضول إلى السؤال عن هذا الأسير، خاصة وأنني قد قمت قبل أشهر قليلة بعمل تقرير صحفي يشتمل على أسماء جميع الأسرى الأردنيين في سجون الأحتلال، ولا أذكر حينها أنه قد ورد على مسامعي اسم هذا الأسير أو اسم عائلته ضمن قوائم الأسرى التي زودت بها.

كان الوقت متأخرا حينها لمراسلة صاحب المنشور، ولشغفي بمعرفة بما تخبئ لي تلك المعلومات والتي كنت أظن أنه اسم قد سقط سهوا من الأسماء التي لدي، بعثت له، ليرد علي في نفس الوقت، مؤكدا أن هذا الأسير هو أبن عمه، أو أحد ابناء عمومته -لا أذكر- فقلت قد تتشابه أسماء العائلات بين شرق الأردن وغربه، خاصة أنني أعرف الترابط المعقد بين عشائر الضفتين والدماء الواحدة التي تجري في شرايين الكثييرين منهم، ليؤكد لي مرة أخرى أنه من ذنيبات الكرك ولكنه لا يحمل اسم العائلة!، ولا حتى الجنسية الأردنية!، وقد أضاف صاحب المنشور اسم عائلته على اسم الأسير في منشوره حتى يوضح مدى علاقة القربى بينهما لمتابعيه.

قادني الفضول مرة أخرى لأسئلة كثيرة، فاختصر علي الصديق وزودني بوسيلة للتواصل مع عائلة ذلك الأسير القاطنة في فلسطين المحتلة.

لم أنتظر كثيرا، ففي اليوم التالي تواصلت مع والد الأسير، ولإشباع فضولي كنت متعجلا بطرح الأسئلة عليه، ليبدأ بسرد قصة والده الغريبة بعض الشيء، لأن من الطبيعي أن نرى عائلات فلسطينية قد هاجرت قسرا من الغرب إلى الشرق، ولكن لم أسمع بهجرة عكسية، من الشرق إلى الغرب، وهنا أتحدث عن مرحلة تاريخية حساسة، وهي فترة احتلال فلسطين.

بدأ محمد أو “أبو رغيد” كما يُكنى باستعراض ما قصه عليه والده، حيث خرج والده عبدالحي ذنيبات لظروف خاصة، من الكرك وتحديدا من قرية الجدَيّدة سنة 1940، دون أن يُخبر أحدا بوجهته، ولم يكن قد بلغ الرابعة عشر من عمره بعد، احتار طويلا بوجهته حتى حطت به الأقدار بمدينة يافا الواقعة على سواحل البحر الأبيض المتوسط، فلا حدود في ذلك الزمان ولا دولة للكيان، وأرض الله واسعة، قد يكون سفر غير طويل بعالمنا الآن، لكنه سفر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لطفل قروي لم يعتد أن يخرج من قريته قط، إلا رعيا لأغنام والده بين سهول وجبال بلدته.

أمّا في قريته، فقد بدأ الجميع في البحث عن المفقود، لم يتركوا واديا أو جبلا يعتب عليهم من البحث، وامتدت جهودهم إلى جميع المناطق المجاورة لعلَّ وعسى أن يكون هناك أمل في إيجاده، أو معلومة تدل على وجوده على قيد الحياة على أقل تقدير.. ولكن.. أجمع الجميع على غير العادة، أن لم يره أحد، وليتكون عندهم اعتقاد.. بل يقين.. بأن عبدالحي مات، أو بالأدق أخذه السيل ومات.

في يافا، تأقلم عبد الحي سريعا مع الحياة، على غير عادة أبناء القرى في الأردن وفلسطين، فلم يعتد أبناؤها على ضيق الجدران، ورتابة الحياة وتغيير الملبس، ويمكث هناك 8 سنين، ويخرج مجبرا مرة أخرى بعد سقوط المدينة في يد العصابات الصهيونية عام 1948، منتقلا الى قطاع غزة وتحديدا إلى مدينة خان يونس، ليعمل فيها بقطاع الزراعة.

مرت الأيام والسنين سريعا على عبدالحي، جلها كان عند عائلة فلسطينية تدعى “الطبسية”، فقد عاش عندهم أكثر مما عاش عند أهله في “الجديّدة”، وفي عام 1967 احتلت القوات الصهيونية غزة، لتقوم سلطات الأحتلال بعدها بـ”إحصاء النفوس” وهو تسجيل أسماء جميع قاطني القطاع وثبيتها رسميا، ولأن عبدالحي وقتها لا يملك أي ورقة أو وثيقة تثبت اسمه أو نسبه، فقد سجل باسم العائلة التي يعمل عندها طوال هذه السنين، وليصبح اسمه من الان فصاعدا، عبدالحي الطبسية.
“فلسطيني من الكرك”.. الجزء الثاني

كبُر عبدالحي الذنيبات، أو “الطبسية” كما أصبح يُكنّى رسميا، وطال الغياب عن الوطن، واختلط بياض شعره بسواده، وها قد بلغ من العمر 45 عامًا، وانتقل من غزة إلى الضفة وتحديدا إلى مدينة قلقيلية، عندما قرر الزواج من ابنة رجل تعرف إليه في مدينته الجديدة، وبعد زواجه بعام واحد وفي سنة 1973 رزق عبدالحي بابنه وبكره، بل ووحيده من الذكور “محمد”، ومن يدري، فقد يكون هذا استجابة لدعاء قد دعاه عبدالحي ليلا “ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين”، فبعد عمر طويل قضاه وحيدا في الدنيا، ها هو الآن يودع وحدته، ويصبح لحياته طعما آخر، خاصة بعد أن رزق بابنة وحيدة من الإناث أيضا.

لم ينسَ بطل قصتنا قريته، ولكن رهبة كانت تغشاه عندما كان يفكر بالعودة إلى الوطن، فلا ذكرى طويلة يحملها في رأسه سوى طفولة قصيرة أنساه طول السنين جلُّها، وما من أحد يذكِّره بما مضى فلا أقرباء ولا رفاق صبا، ولكن الوضع الآن تغير، فهناك زوجة تلح، وأبناء صغار كبروا قليلا وبدأوا يسألون عن الأعمام والأقرباء، كأقرانهم من الأطفال.

وأخيرا، رضخ عبدالحي لإلحاح زوجته وتمتمة أطفاله، وكأنه كان ينتظر فقط من يذكره بالعودة، فبدأ الحنينن يتسلل إلى قلبه، ورؤية الأهل تسيطر على عقله، ليقرر الذهاب إلى الأردن مع زوجته وطفليه.

وصلت العائلة إلى المعبر الفاصل بين الضفتين، وبعد إكمال إجراءات الدخول، وقف عبدالحي مذهولا أمام لافتة كتب عليها “إلى الأردن”، لم يصدق في البداية نفسه، وكأنه في نوم يتخلله حلم جميل، لتبدأ دقات قلبه بالخفقان، ويزداد أزيز أنفاسه، وتبدأ عيناه بسكب الدموع حتى كاد أن يغشى عليه، فبعد أن غادر طفلا ها هو الآن يعود وقد غزى الشيب رأسه، وما هي إلّا سويعات قليلة ويلتقي بأهله.

وقف عبدالحي مصدوما مرة أخرى، وهذه المرة أمام سؤال سائق سيارة الأجرة عندما سأله… إلى أين؟، لتنهمر دموعه ويجهش في بكائه، فقد مر قرابة الـ 40 عامًا على غيابه، تغيرت بها أحوال البشر، مات فيها من مات وعاش من عاش، ومن سيعرفه الآن؟، وهل أهله على قيد الحياة أم اموات تحت التراب؟، وقف عاجزا حينها عن الإجابة على سؤال السائق، فهو فعلا لا يعرف وجهته، لتتدخل هنا الزوجة محاولة تدارك الموقف، موجهة سؤالها إلى السائق، “بتعرف حدا من الذنيبات؟”، ذلك السؤال الذي لم ينساه ابنهما محمد إلى الآن، ويذكر إجابة السائق عليه، عندما أجاب بنعم.
فهو على معرفة بشخص يُدعى عبدالله الذنيبات ويسكن في شارع الإذاعة، في عمّان، تلك الإجابة كانت منقذة للموقف محددة للأتجاه في آن واحد.

أوصل السائق العائلة الى وجهتها، طرقوا الباب وخرج صاحب المنزل، اقترب عبدالله وعبد الحي من بعضهما، توسعت حدقات عيونهما، هناك شيء ما بدأ يحدث، يبدو أن عبد الحي عرف عبد الله، وعبد الله يشكك عقله بما تراه عيناه، فصديق طفولته وصباه مات في السيل.. أنا عبد الحي محمد فرهود، كانت كفيلة قبل أن يكملها بعناق طويل شعر بحرارته من كان حولهما، وقبل أن يكملا ليلتهم الأولى، وصل الخبر إلى مسامع أهل قريته في “جديّدة الكرك”.. عبدالحي حي!.. عبد الحي حي!.. وسط ذهول من يتذكر الحادثة.. يا الله.. كيف لميت يقوم للحياة من جديد؟!، وما بين تشكيك وتصديق لقصة أقرب إلى حكايا العجائز، والأمهات لأطفالهنّ قبل النوم، يقرر الأهل والأقارب وعلى رأسهم أخوي عبد الحي قطع الشك باليقين، والتوجه إلى عمان، بموكب ضم غالبية رجال القرية، وعند اللقاء الذي خيم عليه الشوق الممزوج بالدموع، لم يكفِ العناق ولا القبل، فهو بمثابة لقاء لم يفكر الأهل في أنه سيحصل يوما ما، ولم يرجعوا الى قريتهم الا وعبد الحي يرافقهم، لتعم الأفراح القرية ليالٍ طويلة، فعام 1979 كان عام لمّ شمل الإخوة، ولقاء كان يظنه الأهل مستحيلا.

ومنذ الزيارة الأولى بدأت المحاولات لاسترداد عبد الحي جنسيته وكنيته، والتي باءت جميعها بالفشل سوى شهادة ميلاد استطاع الحصول عليها في زيارته الأولى للكرك والتي تكررت تلك الزيارات لغاية العام 1989 عندما سلم بطل قصتنا الروح لبارئها في مدينة قلقيلية الفلسطينية، كان يمني نفسه قبل أن يغادر هذه الدنيا باسترداد جنسيته وكنيته، ولكن مشيئة الله كانت أقرب.

ترك عبد الحي وراءه عائلة مناضلة فابنه الوحيد محمد، تم اعتقاله 5 مرات من قبل قوات الإحتلال الصهيوني بتهم مناهضة الاحتلال، تهمة واحدة منها كانت كفيلة بمنع الإحتلال له مغادرة فلسطين إلى الأردن بعد وفاة والده، وليكمل أبناء محمد مسيرة النضال، فابنه “رغيد” أسير محرر، وابنه الأصغر “أربكان” ما زال يقبع في سجول الاحتلال الصهيوني، ففلسطين هي بلادهم وقضيتهم كما هي قضية كل من هو غرب وشرق النهر.

وما زال محمد يمني النفس بأمنية أبية باستعادة حقه بجنسيته وكنيته..

فادي الهويدي

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.