الأربعاء , مايو 27 2026 | 11:26 م
الرئيسية / stop / «حين دخلت أميرةُ مصر الكعبةَ المشرفة» 500 جمل… وعربية للطواف… ومدرج الكعبة يُجرّ لزوجة الخديوي عباس حلمي الأول

«حين دخلت أميرةُ مصر الكعبةَ المشرفة» 500 جمل… وعربية للطواف… ومدرج الكعبة يُجرّ لزوجة الخديوي عباس حلمي الأول

فيلادلفيا نيوز

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

في ليلةٍ مكيةٍ هادئة من سنة 1279هـ، كانت مكة المكرمة تعيش واحدًا من أكثر مشاهدها الحضارية إدهاشًا؛ مشهدٌ لم تحفظه الكتب السياسية الكبرى، بل التقطته دفاتر “الحوادث المكية” بعفويتها اليومية، فسجلت لنا تفاصيل رحلةٍ خديوية مصرية إلى الحرمين، تكشف كيف كانت مكة قبل الحداثة مدينةً عالمية نابضة بالحركة والبروتوكول والضيافة والسياسة والدين معًا.

ففي تلك السنة وصلت إلى جدة “الست أم إلهامي باشا”، زوجة الخديوي عباس حلمي الأول، ووالدة الأمير إبراهيم إلهامي باشا، في موكبٍ ضخمٍ أقرب إلى “قافلة دولة” كاملة منه إلى رحلة حج اعتيادية.

 

كانت القافلة تضم ما يقارب خمسمائة جمل، تحمل الحاشية والخدم والوصيفات والمتاع والمؤن، ومعها أكثر من سبعين سيدة من سيدات مصر، إضافة إلى مئات الأتباع والعسكر النظاميين والخدم، حتى إن “الحوادث المكية” تصف حاشيتها وأتباعها بما يزيد على أربعمائة نفس.

 

ولم يكن ذلك مجرد استعراضٍ للثراء أو المكانة، بل صورة حقيقية لطبيعة السفر الرسمي في القرن الثالث عشر الهجري؛ إذ كانت الرحلات الكبرى تتحرك كمدنٍ متنقلة في قلب الصحراء، تحمل معها الطعام والخيام والحرس وأدوات الضيافة وكل ما تحتاجه الرحلة بين مكة والمدينة.

 

وكان من أبرز ما تكشفه “الحوادث المكية” أن الشريف سلطان الفعر العبدلي كان المرافق المسؤول عن الموكب، لا بوصفه دليل طريق فحسب، بل لعلاقته الخاصة بالأسرة الخديوية المصرية وثقتها به. وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأنه يكشف أن إدارة الطريق بين مكة والمدينة لم تكن بيد العسكر النظامي وحده، مهما بلغ عددهم، بل كانت تحتاج إلى رجالٍ من الأشراف يعرفون الحجاز وقبائله ومحطاته وموازين القوى فيه.

 

فالشريف سلطان الفعر لم يكن مجرد مرافق، بل كان يمثل “الضمانة الحجازية” للموكب الخديوي؛ يدير الحركة، ويتابع الركب، ويتعامل مع تأخر الجمال، ويؤمّن الطريق عبر شبكة العلاقات المحلية التي امتلكها الأشراف في الحجاز. وهنا يظهر كيف كانت العلاقة بين بعض بيوت الأشراف والأسرة العلوية في مصر علاقة ثقة وتنسيق ممتدة، تتجاوز المجاملات الرسمية إلى شراكة فعلية في إدارة الحج والزيارات الكبرى.

 

وتكشف الرواية أيضًا أن جدة ومكة كانتا تتحولان عند وصول مثل هذه المواكب إلى فضاء اقتصادي واجتماعي كامل؛ فقد نزلت أم إلهامي باشا أولًا في بيت الشيخ أحمد المشاط بجدة، ثم استؤجرت لها بيوت الأشراف في مكة، ومنها بيت الشريف منصور وبيت الشريف حسن البيتان وبيت الشريف مبارك بن شنبر، بمبالغ كبيرة تعكس حجم الحركة الاقتصادية التي كانت تصاحب الحج الرسمي.

 

كما تذكر “الحوادث المكية” أنها كانت تسأل عن “أبناء القُنق”، وهم من كبار المطوفين المرتبطين بخدمة ضيوف الدولة والحجاج من النخب الكبرى، وهو ما يكشف أن الحج في ذلك الزمن لم يكن مجرد شعيرة دينية، بل منظومة اجتماعية وإدارية متوارثة، تشارك فيها أسر المطوفين والأشراف والأعيان والتجار وأهل الضيافة.

لكن المشهد الأكثر إدهاشًا في الرواية كلها يبدأ لحظة دخولها مكة.

 

فقد سجلت “الحوادث المكية” أن “سيدنا” — وهو التعبير الحجازي الذي يقصد به شريف مكة أو من يمثله — أرسل لها “عربية”، فطافت وسعت بها داخل المسجد الحرام.

 

وهنا تتوقف الذاكرة طويلًا.

ففي سنة 1279هـ كانت امرأة من البيت الخديوي المصري تطوف وتسعى في عربية داخل الحرم الشريف، بينما يظن كثير من الناس اليوم أن وسائل التيسير الحديثة كعربات القولف والكراسي الكهربائية فكرة معاصرة لا صلة لها بالماضي.

 

غير أن هذه الرواية تكشف حقيقة أعمق:

أن فكرة “تيسير النسك” جزء أصيل من تاريخ الحرمين، وأن التطور الحديث لم يبتدع المبدأ، بل طور الوسيلة فقط.

فالفرق بين “العربية” التي طافت بها أم إلهامي باشا وبين عربات القولف الحديثة هو فرق التقنية لا الفكرة؛ إذ ظل الهدف واحدًا عبر القرون:

خدمة الحاج والزائر وتيسير العبادة عليه.

 

ثم تأتي اللحظة الأندر والأكثر رمزية في الرواية كلها، حين تقول “الحوادث المكية”:

“وقد جرّوا لها المدرج”.

ولسنوات قد يُساء فهم هذه العبارة، لكن المقصود بالمدرج هنا ليس سلم بيت أو درجًا داخليًا، بل “مدرج الكعبة المشرفة” نفسه؛ أي السلم الذي يُصعد منه إلى داخل البيت العتيق.

 

ويتابع النص موضحًا أن جرّ المدرج لم يكن من العادة إلا “يوم الفتوح”، أي في المناسبات العظمى والاستثنائية، مما يعني أن فتح باب الكعبة لها وإحضار المدرج كان حدثًا بروتوكوليًا نادرًا يعكس مكانة الأسرة الخديوية المصرية وعلاقتها الخاصة بالحجاز وشرافة مكة.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهدٍ مذهل:

أميرة مصرية تصل إلى الحجاز بقافلة تضم خمسمائة جمل،

ويشرف الشريف سلطان الفعر العبدلي على مرافقتها بحكم صلته بالأسرة الخديوية،

وتتحرك المطوفات والبيوتات المكية والأشراف لاستقبالها،

ثم تُرسل لها عربية للطواف والسعي،

ويُجرّ لها مدرج الكعبة لتدخل إلى داخل البيت الحرام نفسه.

إن هذه الأخبار الصغيرة التي حفظتها “الحوادث المكية” لا تروي فقط رحلة حج، بل تكشف “روح مكة” في القرن التاسع عشر؛ مدينة عالمية تستقبل النخب الإسلامية الكبرى، وتدير الحج عبر منظومة اجتماعية وحضارية معقدة، كان الأشراف فيها عنصر التوازن والحماية والضيافة والتنظيم.

 

ولو عاد مؤرخ “الحوادث المكية” إلى مكة اليوم، لرأى قطارات المشاعر، وعربات الطواف الكهربائية، وإدارة الحشود الذكية، والمصاعد والسلالم الحديثة، ثم لأدرك أن جوهر الفكرة لم يتغير:

فخدمة الحرمين وتيسير الحج ليست مشروعًا طارئًا، بل مسار حضاري ممتد عبر القرون، بدأ بالقوافل والجمال والمدارج الخشبية، ووصل اليوم إلى أعظم منظومة إنسانية لخدمة ضيوف الرحمن في العالم الإسلامي.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com