الأربعاء , مايو 20 2026 | 5:25 م
الرئيسية / stop / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: وثيقة منى سنة 1273هـ كيف تكشف عمارة “بيت السقاط” اقتصاد الحج والمساهمات العقارية في الحجاز؟

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: وثيقة منى سنة 1273هـ كيف تكشف عمارة “بيت السقاط” اقتصاد الحج والمساهمات العقارية في الحجاز؟

فيلادلفيا نيوز

 

 

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في التاريخ الوثائقي لزمن حكم الشريف عبد الله بن عون للحجاز، تبرز هذه الوثيقة المتعلقة بموسم حج سنة 1273هـ بوصفها شاهدًا حيًا على البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تتحرك داخل مكة والمشاعر المقدسة في القرن الثالث عشر الهجري. فهي ليست مجرد ورقة حسابات تخص “بيت السقاط” الكائن بأرض منى، بل نافذة تكشف كيف كان اقتصاد الحج يُدار، وكيف تشكلت أنظمة الملكية المشتركة والاستثمار الموسمي قبل ظهور المفاهيم الحديثة للمساهمات العقارية بوقت طويل.

فالوثيقة تُظهر نصيب سيادة الشريف عبد الله باشا بن عون في عمارة بمنى، مع بيان أجرة الموسم وتقسيم العوائد بين الشركاء، بما يدل على وجود نظام استثماري واضح المعالم يقوم على:
الملكية المشتركة،وتوزيع الريع،وإدارة العقار الموسمي المرتبط بالحج.

وهذا يعني أن منى لم تكن مجرد مشعر يؤدي فيه الناس نسكهم ثم ينصرفون، بل كانت كذلك مركزًا اقتصاديًا موسميًا بالغ الحيوية، ترتفع فيه قيمة العقار والخدمات مع تدفق الحجاج والوفود، مما أوجد بيئة خصبة للاستثمار العقاري وتقاسم العوائد بين الأشراف والتجار وأصحاب البيوت.

ومن هنا تظهر الوثيقة بوصفها دليلًا مهمًا على أن فكرة “المساهمات العقارية” ليست وليدة العصر الحديث، بل لها جذور قديمة في الحجاز، حيث عرف أهل مكة والمشاعر:الشراكات،والحصص،وتقسيم الأرباح،وإجارة الدور الموسمية،خاصة في المواسم الكبرى المرتبطة بالحج.

وتزداد أهمية الوثيقة حين نلاحظ اسم “بيت السقاط”، إذ تكشف لنا استمرار ظاهرة الألقاب المهنية في المجتمع المكي. فـ“السقاط” ليس نسبًا قبليًا ولا اسم موضع، بل لقب مهني لأسرة عُرفت أصلًا بالاتجار في “السقط”، أي أحشاء الذبائح وما يتبعها من الأجزاء الداخلية التي كانت تُباع في الأسواق الحجازية القديمة. ومع مرور الزمن تحول الوصف المهني إلى اسم أسرة مستقرة داخل النسيج المكي.

وهذا يبرز طبيعة مكة الحضرية؛ فهي مدينة لا تقوم فقط على الأنساب والقبائل، بل كذلك على السوق والحرفة والخدمة، حيث تحولت أسماء المهن إلى هويات اجتماعية متوارثة، كما هو الحال في ألقاب: الخياط،والعطار،والجزار،والسراج،والساعاتي،والسقاط.
غير أن اللافت في هذه الوثيقة أن أسرة تحمل لقبًا مهنيًا دخلت في شراكة عقارية موسمية مع أحد كبار أشراف الحجاز، مما يكشف تداخل الاقتصاد بالحكم، والتجارة بالموسم، والشريف بالتاجر، داخل دورة الحج السنوية.

وليس اختيار منى تحديدًا أمرًا عابرًا؛ فمنى منذ الجاهلية كانت موضعًا تجاريًا موسميًا عظيمًا، وفيها قامت إحدى أشهر أسواق العرب المرتبطة بالحج، وهو السوق الذي عُرف تاريخيًا باسم “سوق العرب”، وظل موسمه مرتبطًا بأيام الحج جيلًا بعد جيل.

فالعرب لم يكونوا يفصلون بين الدين والتجارة والاجتماع، ولذلك تحولت المشاعر إلى مواسم كبرى:للبيع،والشراء،والشعر،والسياسة،وعقد التحالفات،
واستقبال الوفود.

ومن اللافت أن هذا الامتداد الحضاري لم ينقطع؛ ففكرة السوق الموسمي المرتبط بالحج ما تزال قائمة إلى اليوم بأشكال مختلفة، وكأن منى تحتفظ بوظيفتها التاريخية القديمة منذ أسواق العرب قبل الإسلام إلى العصر الحديث، وإلى أن يشاء الله.

ولهذا فإن وثيقة سنة 1273هـ لا تتحدث عن عقار معزول، بل عن جزء من منظومة اقتصادية ممتدة الجذور، نشأت من طبيعة مكة نفسها بوصفها:
مدينة حج،وسوقًا عالميًا،ومحطة قوافل،ومركز ضيافة للعالم الإسلامي.

وإذا كانت الوثيقة تكشف جانب الاقتصاد، فإن الأدب الشعبي الحجازي يكشف جانب الهيبة السياسية والاجتماعية للشريف عبد الله بن عون.

فقد ارتبط اسمه بالشاعر الحجازي بديوي الوقداني الطائفي، أحد أبرز شعراء الحجاز في القرن الثالث عشر الهجري، والذي بعث إليه بقصيدته الشهيرة، وفيها تتجلى صورة الشريف بوصفه مقصدًا للوفود ومرجعًا للنجدة والكرم.

يقول الوقداني:
“تلقى الوفود الهم كما وفد حجاج”
وفي هذا التصوير تتجاوز مكة بعدها الديني لتصبح كذلك مركزًا سياسيًا واجتماعيًا، حيث تتجه الوفود إلى مجلس الشريف كما تتجه قوافل الحجيج إلى المشاعر المقدسة.
ثم يقول:
“يا عون يا سيدي وصلت انت فراج”
وهي عبارة تكشف كيف كان الشريف يُنظر إليه في المخيال الحجازي والبدوي بوصفه صاحب فرج وملاذًا لأهل الحاجة، لا مجرد أمير إداري.
كما تحفظ القصيدة وصفًا بديعًا لطريق القوافل بين الطائف ومكة وامتدادات البادية، حيث تتحول الرحلة إلى لوحة من:الرياح،والسيول،والنجوم،والسير الليلي،حتى الوصول إلى مكة مع انبلاج الفجر.

ويصف الوقداني الشريف بلقب:
“باشة المحمليني”
في دلالة واضحة على ارتباطه بالمحمل والحج والإدارة الرسمية العثمانية، بما يعكس مكانته داخل المنظومة السياسية للحجاز آنذاك.
وهكذا، فإن الجمع بين هذه الوثيقة وقصيدة بديوي الوقداني يمنحنا صورة متكاملة عن الحجاز في زمن الشريف عبد الله بن عون:
مكة بوصفها مركزًا للحج والاقتصاد، ومنى بوصفها فضاءً للاستثمار الموسمي، والأشراف بوصفهم شركاء في الدورة الاقتصادية،
والبيوت التجارية الحجازية بألقابها المهنية القديمة،
وسوق العرب الممتد من الجاهلية إلى العصر الحديث،
والأدب الشعبي الحجازي بوصفه مرآة للهيبة السياسية والاجتماعية لشريف مكة.

إنها صورة لحجاز القرن الثالث عشر الهجري كما تحفظه الوثائق والقصائد معًا؛ لا من خلال السرد السياسي وحده، بل عبر دفاتر الحساب، وأسماء البيوت، وأسواق منى، وأجرة عمارة في موسم الحج، وقصيدةٍ تمشي “ركاب المدح” بين الطائف ومكة.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com