الثلاثاء , مايو 12 2026 | 6:33 م
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: من الإيلاف إلى الهجرة… لماذا لم تكن يثرب غريبة عن النبي صلوات الله عليه وآله؟

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: من الإيلاف إلى الهجرة… لماذا لم تكن يثرب غريبة عن النبي صلوات الله عليه وآله؟

فيلادلفيا نيوز

الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين نشر الباحث الرحالة سعد سعيد الغامدي تأمله حول توزع وفيات آباء النبي صلوات الله عليه وآله بين مكة المكرمة والمدينة المنورة وغزة، بدا الأمر لأول وهلة مجرد لطيفة تاريخية تربط بين رجال من البيت الهاشمي وقبورهم في أمصار متفرقة، لكن القراءة المتأنية للسيرة النبوية، وربط أخبار النسب بحركة المكان، يكشف أننا لسنا أمام قبور متناثرة صنعتها التجارة أو المصادفة، بل أمام خط هاشمي متصل سبق البعثة بقرون، ثم اكتمل بالإسراء والهجرة، وانتهى بالمثوى الشريف.

فجد النبي الأعلى هاشم بن عبد مناف لم يكن مجرد سيد من سادات قريش، بل كان صاحب مشروع الإيلاف الذي نقل مكة من اقتصاد محلي محدود إلى فضاء تجاري واسع، وربط قريش بالشام واليمن، ثم شاء الله أن لا تكون صلته بيثرب مجرد مرور قافلة، بل صلة رحم ومصاهرة، فتزوج من سلمى بنت عمرو من بني النجار، فدخلت يثرب مبكرًا في تكوين البيت الهاشمي، ومنها وُلد ابنه عبد المطلب بن هاشم بين أخواله، قبل أن يعود إلى مكة شيخًا للبطحاء وسيدًا لبني هاشم، بينما أدركت الوفاة هاشم في غزة على الطريق نفسه الذي سنّه لقريش، وكأن الرجل ختم حياته في قلب المشروع الذي أسسه. ثم جاء عبد الله بن عبد المطلب فسلك الطريق ذاته في تجارة الشام، لكنه في طريق العودة مرض عند أخوال أبيه في يثرب، فتوفي ودُفن فيها، وبذلك أصبحت يثرب تحمل في باطنها قبر والد خاتم الأنبياء قبل مولده. ثم شاء الله أن يعود الطفل محمد بن عبد الله بنفسه إلى يثرب مع أمه آمنة بنت وهب في زيارته المبكرة المشهورة، وهي الزيارة التي كثيرًا ما تُذكر في كتب السيرة على أنها مجرد زيارة لقبر الأب، بينما الحقيقة التاريخية أوسع من ذلك بكثير؛ ففي تلك الرحلة لم يزر النبي قبر أبيه فقط، بل عاد إلى جذر أسرته في يثرب، ورأى قومًا ولدوا جده عبد المطلب بن هاشم، وتعرّف على أخوال البيت الهاشمي من بني النجار، وشاهد إرث جدته سلمى، وما بقي من مستظلها وحصنها المعروف في ديار بني النجار، والذي ورثه عنها.

وبذلك لم تكن يثرب بالنسبة للنبي خبرًا يسمعه أو اسمًا يرد على لسان التجار، بل مكانًا مشى في طرقه، وشاهد نخيله، وعرف أهله، ووقف على قبر أبيه فيه وهو طفل.

ومن هنا يتبين أن علاقة النبي بيثرب لم تبدأ يوم بيعة العقبة، ولم تكن وليدة التحالف السياسي أو الحاجة إلى النصرة، بل كانت علاقة نسب ورحم وذاكرة وميراث أقدم من البعثة نفسها، ولهذا حين دخلها مهاجرًا لم يدخل مدينة مجهولة، بل عاد إلى أرض يعرفها وتعرفه، فيها قبر أبيه، ومنها ميلاد جده، وفيها إرث جدته، وبين أهلها أخوال أسرته، ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون بنو النجار أول من احتضنه عند الهجرة، وكأن التاريخ كان يعيد وصل ما انقطع.

ثم تأتي ليلة الإسراء والمعراج، فيُسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على الطريق نفسه الذي عرفته قوافل أجداده، وسلكته تجارة بني هاشم، ودُفن بعض رجالهم على امتداده حتى غزة، وكأن السماء اختارت للرسالة الخاتمة الطريق نفسه الذي مهّدته الأسرة الهاشمية على الأرض قبل البعثة، ثم تعود الرحلة لتكتمل في المدينة المنورة، لا بوصفها دار هجرة فقط، بل بوصفها رحمًا هاشميًا قديمًا؛ منها بدأت صلة المصاهرة، وفيها وُلد الجد، وفيها دُفن الأب، وفيها عرف الطفل أهله، وإليها عاد النبي نبيًا ورسولًا وقائدًا، ومنها خرج نور الإسلام إلى العالم، وفيها استقر جسده الشريف داخل المسجد النبوي. وعندها ندرك أن المدينة لم تكن خيار اللحظة، بل كانت محطة مكتوبة في الذاكرة الهاشمية منذ هاشم، وأن هجرة النبي إليها لم تكن انتقالًا إلى مدينة جديدة، بل عودة إلى أرض الرحم، وأن مثواه الشريف فيها لم يكن نهاية رحلة… بل اكتمال خط بدأ بالإيلاف في مكة، ومر بيثرب وغزة، وارتقى إلى القدس، ثم عاد ليستقر في المدينة، حيث انتهت الرحلة الهاشمية… وبدأت رسالة السماء إلى العالم.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com