الإثنين , يوليو 6 2026 | 6:36 م
الرئيسية / stop / الشريف خالد عبد الرحمن أبلج الرسي يكتب: التاريخ لا يُكتب وحده.. كيف يصنع الإنسان ذاكرته ومصيره

الشريف خالد عبد الرحمن أبلج الرسي يكتب: التاريخ لا يُكتب وحده.. كيف يصنع الإنسان ذاكرته ومصيره

فيلادلفيا نيوز

 

الشريف خالد عبد الرحمن أبلج الرسي
عضو الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

​التاريخ لا يُكتب وحده، فهو معركة دائمة بين الذاكرة والنسيان والتناسي؛ والعلاقة بين الإنسان والتاريخ لا تقوم على التذكر المجرد بل على صراع خفي بين قوتين متلازمتين: فالنسيان يفرضه الزمن، والتناسي يختاره الإنسان وهناك فرق شاسع بين أن يسقط الشيء من الذاكرة رغماً عنك وبين أن تدفعه عمداً إلى الظل وأنت تعرف مكانه .

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: من يختار ما يبقى من التاريخ؟ ​إن النسيان ليس نقصاً ولا خيانة للذاكرة بل هو قانون طبيعي يحمي النفس من الانهيار؛ فالإنسان يحتاج إلى قدر من النسيان ليواصل حياته ويبدع  لأن العقل لا يحتمل الاحتفاظ بكل تفاصيل الأيام

وتشير الدراسات العلمية إلى أن الدماغ يتخلص من قدر كبير من التفاصيل اليومية حفاظاً على كفاءته المعرفية  لذلك ينسى الإنسان كثيراً من آلامه وإساءاته الصغيرة ليستطيع الاستمرار كما تنسى الأمم آلاف التفاصيل لكنها تحتفظ بالرموز التي تجسد المعنى والعبرة.

​أما التناسي فهو شأن آخر تماماً لأنه فعل واعٍ يتخذ فيه الإنسان قراراً بألا يجعل الحدث حاضراً في سلوكه أو خطابه وقد يكون التناسي حكمة رفيعة كما حدث يوم فتح مكة حين طويت صفحة الأذى لبناء مستقبل جديد، وقد يتحول إلى هروب حين تتجاهل الأمم أخطاءها، أو يتجاهل الفرد مسؤوليته عن خطئه، والأخطر من ذلك كله أن يصبح التناسي أداة في يد سلطة تمحو الوثائق وتغير الأسماء لتصنع تاريخاً مزيفاً يناسب الحاضر الذي تريده.

​وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المفهومين؛ فالنسيان يحدث للإنسان، بينما التناسي يحدث بالإنسان، ولذلك لا يُكتب التاريخ الحقيقي بالنسيان ولا بالتناسي، بل بمقاومتهما معاً؛ فالمؤرخ الأمين يبحث عما أسقطه الزمن سهواً ويكشف ما أُخفي عمداً لأن الذاكرة الجمعية لأي أمة تقوم على صراع دائم بين من يريد التثبيت ومن يريد المحو، والأمم التي تعيش على التناسي وحده تبني حاضراً هشاً مقطوع الجذور، بينما الأمم التي تعجز عن التمييز بين ما ينبغي حفظه وما ينبغي تجاوزه تصبح أسيرة لماضيها ومن هنا تبدو مسؤولية الوعي في معرفة ما يستحق أن يبقى، وما يجب أن يتحول إلى درس لا إلى قيد.

​وتقدم تجارب التاريخ شواهد واضحة على هذه الجدلية؛ فالأندلس لم تغب عن الذاكرة لكن كثيرين تناسوا أسباب سقوطها فتكررت الأخطاء وفي المقابل جعل اليهود من التذكر مشروعاً قومياً دائماً، لأنهم رأوا أن نسيان بعض الجراح خيانة للمستقبل أما اليابان بعد هيروشيما فاختارت تجاوز خطاب العداء وبناء شراكة جديدة فجعلت من التناسي وسيلة لصناعة الغد لا للهروب من الأمس.

​واليوم نعيش عصراً مضاعف الذاكرة بفعل التكنولوجيا؛ فالرقمنة جعلت المحو أكثر صعوبة، لكن فيض المعلومات خلق شكلاً جديداً من النسيان إذ تغرق التفاصيل بعضها بعضاً

كما يمارس الإعلام نوعاً من التناسي اليومي حين تطغى أحداث الحاضر على ما سبقها، فتغدو الذاكرة العامة قصيرة النفس.

​ومن هنا تبدو المعادلة الأخلاقية دقيقة للغاية فليس كل تذكر فضيلة وليس كل نسيان رذيلة إذ إن تذكر الثأر يهدم المجتمعات ونسيان الإحسان يفسد العلاقات أما تناسي الإساءة من أجل المصالحة فحكمة وتناسي الجريمة من أجل التستر فخيانة.

​وفي النهاية، يحتاج الإنسان إلى فلترة واعية يحفظ بها ما يبني القيم والوعي ويتناسى ما يفسد الحاضر بلا فائدة وينسى ما لا يملك دفعه ليمضي في حياته؛ فالتاريخ ليس مجرد ما حدث بل ما اختار الإنسان أن يبقيه حياً في ذاكرته، فالنسيان يفرضه الزمن، والتناسي يفرضه الإنسان، والأمم التي تدرك الفرق بينهما تبني ذاكرة حية لا تهزمها العواصف ويبقى السؤال الأهم دائماً: ليس هل ننسى بل ماذا نختار أن ننسى، وماذا نصر على ألا ننساه أبداً.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com