السبت , سبتمبر 26 2020 | 11:22 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / الدكتور عامر العورتاني: ذكّرني حريق أشجار عجلون … !!

الدكتور عامر العورتاني: ذكّرني حريق أشجار عجلون … !!

فيلادلفيا نيوز

نشأنا في صغرنا على مقولة أردن أخضر عام 2000 ، وكان الاحتفال بيوم الشجرة يوازي في أهميته غيره من الأعياد والمناسبات الوطنية ، كانت الإذاعة المدرسية في ذلك اليوم تُخصص للحديث عن الشجرة ، وأهميتها في النظام البيئي ، وكانت كتبنا المدرسية مليئة بالمواضيع التي تتعلق بالغطاء الأخضر ودوره الجماليّ والبيولوجيّ الهام ، وكبرنا ونحن نرى كيف أتت الكثير من المشاريع العمرانية على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ، وكبرت فينا علامة السؤال حول الحُلم القديم بالأردن الأخضر ، وصارت الغابات الحرجية اختصاصاً يُدّرس في الجامعات ، وصارت الشرطة البيئية واحدة من العلامات التي تميّز فلسفة الأمن في الأردن ، وكثرت المبادرات الساعية لغرس الأشجار وزيادة المساحة الخضراء في الوطن ، والحفاظ على نظافة المتنزهات الطبيعية ، وهكذا نشأت ثقافة بالسجل التاريخي للأشجار التي يتميز بها الأردن ، وخصائصها الطبية والبيئية .
جهد وطني وفردي كبير ذلك الذي تمّ بذله عبر سنوات للحفاظ على الثروة الخضراء وزيادة مساحتها ، لتتفاجأ بتلك العناوين التي تتصدر الأشرطة الإخبارية عبر وسائل الإعلام المختلفة ؛ والتي تتحدث عن انتهاك حُرمة تلك المخلوقات الشامخة بصمت ، بفؤوس لصوص الأخشاب في فصل الشتاء ، ونيران ومهملات عبثية بعض المصطافين في فصل الصيف الحار، فكان حريق أشجار عجلون الأخير ُمدمياُ للقلوب ؛ وألسنة اللهب تلتهم بوحشية كلّ ما في ذلك المكان من قصص تحكيها حلقات تلك الأشجار لتطوي عبر لحائها المشتعل المعطر بعبق السنين ، حكايات من زرعوها أو سهروا على بقائها ، حكايات من استظلّوا بظلّها وتنسموا هواءها واستنفعوا بمزاياها التي قدمتها بسخاء ، ولكم يكون المشهد متشحاً بالسواد ، بعد أن تتمكن فرق الإطفاء من إخماد شره تلك النيران ، فالأمر لم ينقضِ على بيت مهدّم فيعاد بناؤه خلال شهور ، أو حديد معوّج فيُعاد تقويمه ، إنها حياة يستلزم إعادة بثها في المكان سنين طويلة قد لا يُسعفنا العُمر في رؤيتها تنبعث هناك ، وكأننا صرنا ” كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ” نحتفل في كانون الثاني بالغراس ، ونأتي على ما اشتدّ ساقه وامتد فرعه في السماء إهمالاً وجشعاً في وقت البرد والحرّ .
إنها ” كفى ” وبصوت يصمّ الآذان يمكن سماعها مكتومة في جوف الأرض وقد ضاقت بحماقات الإنسان ، فهو كالطفل الصغير يعيث تخريباً في ألعابه من فرط الدلال ، ونحن في الأردن أحوج ما نكون إلى الحفاظ على نظام بيئي يكتسح الفقر الطبيعي معظم أجزائه ، فإن لم يكن الأفراد على انسجام تام مع الخطط والجهود الرسمية في هذا المجال ، فإن تصفيق عشرات الأيدي لن يكون كافياً ، وكلّ نصوص القانون وعقوباته المغلّظة لن تكون رادعة للكثيرين ، فإنّ ما يتطلبه الموقف مسؤولية أخلاقية توقظ الغيرة في القلوب ، وتستذكر وصية المصطفى صلى الله عليه وسلّم وهو يضع بروتوكولات الحرب لجنوده الفاتحين بأن ” لا تقطعوا شجرة ” وقد وضعها مُكرّمة بعيداً عن غايات القتال وفوضاها العارمة ، وحتى يرفع عليه الصلاة والسلام من شأن العمل وحثّ الهمم عليه حتى اللحظات الأخير من الحياة ضرب في غرس فسائلها الصغيرة المثل ، إذاً فلا بدّ من تكثيف الجهد على رفع مستوى الوعي بهذه القيمة الطبيعية الثمينة ، ولا بدّ من دمج الأفراد في المجتمعات المحلية في كلّ أشكال الجهود الساعية إلى الحفاظ على الثروة الحُرجية وتنمية مساحتها .

الدكتور عامر العورتاني
أخصائي علم اجتماع الجريمة
Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.