الأحد , سبتمبر 27 2026 | 6:36 م
الرئيسية / stop / التعديل الوزاري المرتقب: بين الإصلاح المُعلن وإعادة إنتاج الضعف

التعديل الوزاري المرتقب: بين الإصلاح المُعلن وإعادة إنتاج الضعف

فيلادلفيا نيوز

ا.د. مخلد سليمان الطراونه

تُشير المعطيات المتداولة إلى أن التعديل الوزاري المرتقب على حكومة الصديق الدكتور جعفر حسان قد يتجه نحو توزير عدد من أعضاء مجلس النواب، إلى جانب تمثيل أحزاب في التشكيلة الحكومية المقبلة. وهي توجهات، إن صحّت، تستدعي قراءة نقدية رصينة، لا انفعالية، بوصفها قرارًا يمسّ جوهر العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويؤثر في مسار الإصلاح السياسي برمّته والذي يسير على وتيرة هشة.

أولًا: على مستوى المبدأ الديمقراطي

يقوم النظام الديمقراطي السليم على مبدأ الفصل بين السلطات، وهو مبدأ لا يُعدّ ترفًا نظريًا، بل ضمانة عملية لاستقلال مجلس النواب في أدائه الرقابي والذي بالأصل حاد عن مساره، وعندما ينتقل عضو المجلس إلى موقع الوزير، فإنه ينتقل بحكم الضرورة من موقع الرقيب إلى موقع المُراقَب، ومن موقع المُحاسِب إلى موقع المُحاسَب. وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية: فالنائب الذي يصبح وزيرًا يجد نفسه في موقع مزدوج ومتناقض فلن يكون لديه القدرة على ممارسة الرقابة على الحكومة التي أصبح جزءًا منها. وفي سياق ديمقراطي ناشئ يعاني أصلاً من ضعف في الأداء الرقابي، فإن توزير النواب لا يُقوّي المجلس، بل يُفرغه من أحد أهم أدواره، ويمنح الحكومة حلفاء داخل قبة البرلمان بدلًا من أن تواجه فيه رقابة حقيقية. وهكذا، يتحوّل المجلس من سلطة رقابية إلى امتداد تنفيذي، وهو ما يُضعف، لا يُقوّي التجربة الديمقراطية التي أصلا تعاني من هشاشة البنية.

ثانيًا: على مستوى الأداء الحكومي

حكومة الدكتور جعفر حسان وُلدت في ظرف سياسي معقّد، وواجهت منذ تشكيلها تحديات بنيوية تتعلق بضعف التجانس الداخلي، وعدم وضوح الرؤية، وعدم قدرة الفريق على التنسيق الفعّال. وفي هذا السياق، فإن أي تعديل وزاري لا ينطلق من تقييم موضوعي للأداء، ولا يستهدف معالجة الخلل الجوهري، يُخشى أن يتحوّل إلى مجرد إعادة ترتيب شكلي، لا تُغيّر في جوهر المشكلة، بل قد تُعمّقها.

فالتعديل الذي يُبنى على المحاصصة، أو التوازنات السياسية الضيقة، أو الاستجابة لضغوط آنية، لا يُنتج حكومة أقوى، بل يُنتج حكومة أوسع عددًا وأضعف انسجامًا. والمشكلة ليست في عدد الوزراء ولا في أسمائهم، بل في غياب المعيار الواضح الذي يحكم اختيارهم: هل هو الكفاءة أم الولاء؟ هل هو الإنجاز أم التوازن؟

ثالثًا: على مستوى المساءلة ومكافحة التسيب

أخطر ما يمكن أن يُنتجه أي تعديل وزاري هو أن يُرسل رسالة سلبية إلى الرأي العام مفادها أن الضعف لا يُعاقَب، وأن التقصير لا يُحاسَب، وأن الأداء المتواضع قد يُكافأ بمواقع أعلى. وهذا الخطر لا يقتصر على تشكيلة معينة، بل يمتد إلى الثقافة السياسية العامة، حيث يترسّخ شعور بأن المساءلة غائبة، وأن المعايير مُبهمة، وأن النتائج لا تترتب على الأفعال.

إن معالجة التسيب لا تبدأ من تغيير الوجوه، بل من بناء نظام محاسبة فعّال، واضح المعايير، لا يستثني أحدًا، ولا يجامل أحدًا. وأي تعديل لا يرافقه إصلاح حقيقي في منظومة المساءلة والمحاسبة، سيبقى تدويرًا للمشكلة لا حلًا لها.

رابعًا: ما المطلوب؟

ليس المطلوب رفض أي تعديل وزاري بالمطلق، فالحكومات تحتاج إلى التجديد والتطوير. لكن المطلوب هو أن يقوم التعديل على أسس واضحة:

الكفاءة قبل الولاء، والإنجاز قبل التوازنات.

الفصل بين السلطتين، أو على الأقل ضبط حالات التداخل بضمانات دستورية وسياسية تحفظ استقلال المجلس.

معايير معلنة لاختيار الوزراء، حتى يكون الرأي العام قادرًا على محاسبة من يختار.

إصلاح موازٍ لمنظومة المساءلة والمحاسبة، حتى لا يبقى التعديل إجراءً معزولًا عن سياقه.

وفي الخلاصة

إن التعديل الوزاري المرتقب ليس مجرد حدث إداري، بل هو اختبار حقيقي لجدية الإصلاح السياسي. وإذا كان هذا التعديل سيأتي استجابةً لمحاصصة أو توازنات ضيقة، فسيُضعف ديمقراطية هشة، وسيُعمّق ضعف حكومة وُلدت ضعيفة، وسيُرسّخ تسيبًا هو أصلاً سائد. أما إذا جاء على أساس الكفاءة والمساءلة، فإنه قد يكون، رغم كل التحديات، خطوة نحو استعادة الثقة. والحكم النهائي ليس على النوايا، بل على المعايير والنتائج.

 

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com