فيلادلفيا نيوز
بقلم البروفيسور محمد علي المعايطة
امي ثم امي ثم امي
إذا قرأنا تاريخ الأنبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والأباطرة، وجدنا أن وراء كثير من العظماء أمهات لم يحملن أبناءهن في أرحامهن فحسب، بل حملن مسؤولية تنشئتهم وصقل شخصياتهم. اختلفت الأديان والحضارات، وتبدلت الممالك والإمبراطوريات، وبقي أثر الأم حاضراً في صناعة الإنسان الذي يصنع التاريخ.
في الإسلام كرّم الله الأم بقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم حقها في حسن الصحبة مقدماً ثلاث مرات على الأب.
فأم موسى عليه السلام واجهت الخوف بإيمانها، وألقت رضيعها في اليم بأمر الله، فعاد إليها ليصبح نبياً عظيماً. وأويس القرني خلد التاريخ بره بأمه. والإمام الشافعي ربته أمه يتيماً وانتقلت به إلى مكة طلباً للعلم، كما نشأ الإمام البخاري في كنف أمه بعد وفاة والده، وكان لأم الإمام أحمد بن حنبل فضل كبير في تربيته وتوجيهه إلى العلم. ثلاث أمهات أسهمن في تنشئة ثلاثة من أعلام الفقه والحديث الذين بقي علمهم حياً بعد قرون من رحيلهم.
وفي المسيحية تتجلى مكانة الأم في مريم العذراء عليها السلام، وقد قال المسيح عيسى عليه السلام: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. وفي تاريخها نجد مونيكا، أم القديس أوغسطين، التي لم تنقطع عن مساندة ابنها رغم اختلاف مسيرته الفكرية والدينية عن تطلعاتها، حتى أصبح من أعظم مفكري المسيحية.
وفي اليهودية جاء إكرام الوالدين ضمن الوصايا العشر، وظلت الأم ركناً أساسياً في حفظ الأسرة ونقل الهوية والتعاليم الدينية عبر الأجيال.
وفي الهندوسية تقول الحكمة السنسكريتية Matr Devo Bhava، أي عامل أمك بما يليق بمقام عظيم من التوقير. وقد نشأ المهاتما غاندي متأثراً بتدين أمه بوتليباي وصيامها وانضباطها، وهي قيم رافقته في تكوينه الأخلاقي المبكر.
وفي الصين جعل الفكر الكونفوشي بر الوالدين، أو Xiao، من أركان الأخلاق. وتروي التقاليد أن أم الفيلسوف منسيوس انتقلت بأسرتها ثلاث مرات بحثاً عن بيئة صالحة لتعليم ابنها، فأصبحت قصتها درساً تتناقله الأجيال في أثر البيئة والتربية.
وفي التاريخ الأمريكي فقد أبراهام لنكولن أمه نانسي هانكس طفلاً، فاحتضنته زوجة أبيه سارة بوش جونستون وشجعته على القراءة حتى أصبح رئيساً للولايات المتحدة. أما توماس إديسون، فقد وجد في أمه نانسي إليوت، المعلمة السابقة، من يرعى فضوله ويشجعه على التعلم، قبل أن يصبح من أشهر مخترعي العصر الحديث. وهنا تتجلى حقيقة أن الأمومة ليست رابطة دم وحدها، بل رسالة رعاية وتربية.
وفي تاريخ الإمبراطوريات نجد نابليون بونابرت وقد نشأ في كنف أمه ليتيزيا رامولينو، المرأة الصلبة المنضبطة التي أدارت أسرتها وسط الاضطرابات. ويوليوس قيصر الذي تربى على يد أوريليا كوتا، إحدى النساء الرومانيات المعروفات بالحكمة والوقار وحسن التربية.
أما الإسكندر الأكبر، فقد كانت أمه أوليمبياس قوية الشخصية والنفوذ، وكان لها أثر في نشأته وطموحه قبل أن تمتد فتوحاته من مقدونيا إلى مصر وفارس والهند.
ثم نصل إلى جنكيز خان وأمه هولون، إحدى أشد قصص الأمومة صراعاً مع قسوة الحياة. مات زوجها وتخلت الجماعة عن أسرتها، فواجهت الجوع والعزلة وحمت أطفالها من الضياع. ومن بينهم خرج تيموجين، الذي أصبح جنكيز خان، فوحد قبائل المغول وأسس الإمبراطورية التي غدت بعده أكبر إمبراطورية برية متصلة في التاريخ.
تلك أمهات اختلفت أديانهن وأوطانهن وأزمانهن، واختلف أبناؤهن بين نبي وفقيه وفيلسوف ومخترع ورئيس وإمبراطور ومحارب. لم يصنعن جميعاً عظمة أبنائهن بالطريقة نفسها، ولم يكن أثرهن وحده سبباً في ما بلغوه، لكن التاريخ يشهد بأن التربية الأولى كثيراً ما تترك بصمتها في المصائر الكبرى.
ولعل من الإنصاف للتاريخ ألا نكتفي بذكر العظماء وما صنعوه، بل أن نذكر أيضاً الأمهات اللواتي أسهمن في صناعة شخصياتهم. فالتاريخ يخلّد أسماء من غيّروا العالم، وقد يغفل أسماء من ربّوهم ليكونوا قادرين على تغييره.
البروفيسور محمد علي المعايطة
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ