الأربعاء , أكتوبر 21 2026 | 2:28 م
الرئيسية / السلايدر / إصلاح الثانوية العامة في الأردن: حين يصبح التقويم باباً ‏للعدالة لا سوراً للخوف

إصلاح الثانوية العامة في الأردن: حين يصبح التقويم باباً ‏للعدالة لا سوراً للخوف

فيلادلفيا نيوز

‏ الأستاذ الدكتور احمد محمود الثوابيه
‏ أستاذ القياس والتقويم/ جامعة الطفيلة التقنية ‏

‏ عندما نتحدث عن “التوجيهي” في الأردن، فإننا لا نتحدث عن مجرد مسار إداري، أو عدد مواد ‏دراسية، أو ساعات اختبار جافة، بل نتحدث عن عمق إنساني يمس كل بيت أردني، نتحدث عن طالب ‏يسهر الليل معلقاً بين الخوف والأمل، وعن أسرة تعيش هاجس المعدل وكأنه المعيار الوحيد للحكم على ‏قدرات ابنها ومستقبله، ومن موقعي كمختص في القياس والتقويم، أدرك تماماً أن هذا التوتر التاريخي ‏ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج قسوة أدوات التقويم التقليدية حين تُختزل وظيفتها في “الحُكم والفرز” بدلاً ‏من “البناء والتطوير”. ‏

‏ إن التغييرات التي شهدها نظام الثانوية العامة مؤخراً في الأردن لم تكن ترفاً فكرياً، بل جاءت ‏استجابة لصرخة ميدانية طال أمدها؛ صرخة تطالب بتعافينا من اختزال التعلم في “درجة” صماء على ‏حساب جودة المعرفة والصحة النفسية لأبنائنا، وإن قيادة وزارة التربية والتعليم لهذا المسار التطويري ‏واستماعها للملاحظات الميدانية خطوة شجاعة وتستحق التقدير، ولا نتوقع أبداً أن يكون المقترح الذي ‏قدمته الوزارة حلاً سحرياً لكل المشاكل الاكاديمية والنفسية والاجتماعية المرافقة للامتحان؛ وإنما هو ‏خطوة في الطريق الصحيح، غير أن مسؤوليتنا العلمية لا تقف عند حدود التصفيق للنيات الطيبة، ولا ‏الرفض المسبق للتغيير، بل تبدأ من طرح السؤال الجوهري: إلى أي مدى استطاعت هذه القرارات تحقيق ‏‏”صدق التقويم” وعدالته في حياة أبنائنا؟ وانطلاقا من ذلك أؤكد على طرح القضايا الاتية:‏
‏
‏1. نظام الحقول: هل نمنح الطالب بوصلة أم نفرض عليه مساراً؟
‏ تُعد فكرة “الحقول” من الناحية التربوية خطوة حضارية نحو تكافؤ الفرص ومراعاةً التنوع والفروق ‏الفردية؛ فالطلبة لا يتشابهون في ميولهم وقدراتهم واتجاهاتهم، فإتاحة مسارات متخصصة تحيي في ‏الطالب دافعية التعلم وتمنحه عمقاً معرفياً يتهيأ به للمرحلة الجامعية. ‏

لكن السؤال المهني والإنساني الذي يفرض نفسه هنا: هل نملك بنية إرشادية متكاملة تحمي الطالب من ‏الاختيار المبكر للتخصص؟

‏ إن اختيار الحقل ليس قراراً عابراً، بل هو قرار يرسم ملامح المستقبل الأكاديمي والمهني للطالب، ‏فهل يمتلك الطالب في هذه السن القدرة على تحديد مساره المستقبلي والأكاديمي، وهل كان أساس الاختيار ‏مبني على القدرات لا على سهولة وصعوبة المواد المطروحة لكل حقل، وهل تم توفير الإرشاد الأكاديمي ‏الكافي لاتخاذ خيار واعٍ؟ وهل يمتلك النظام المرونة الكافية لتصحيح المسار إذا اكتشف الطالب لاحقاً أن ‏قدراته تتجه نحو مسار آخر؟ إن النجاح الحقيقي لنظام الحقول لا يقاس بأسلوب توزيع الطلبة على ‏المسارات، بل بقدرته على تحويل هذه المسارات إلى “بوصلة توجيه” لا إلى “قيد دائم” يصادر فرص ‏المستقبل. ‏
‏

‏2. فصل شهادة دراسة الثانوية العامة عن القبول الجامعي: إعادة هندسة وظائف التقويم
‏ إذا كان نظام الحقول يعنى بتوجيه البوصلة مبكراً، فإن فصل الشهادة المدرسية عن القبول الجامعي ‏يعيد هندسة محطة الوصول وفق أدبيات القياس والتقويم السليمة. ‏
• فالشهادة المدرسية يُفترض أن تُصمم لقياس مدى تحقق نتاجات التعلم الأساسية لإتمام المرحلة ‏الثانوية. ‏
• أما القبول الجامعي فهو عملية “مفاضلة تنافسية” تحكمها الطاقة الاستيعابية وشروط التخصص ‏في الكليات الجامعية المختلفة.‏
‏ فتحديد وظيفة كل أداة قياس هو أول طريق العدالة، فالطالب الذي لا يرغب ‏بالالتحاق بالجامعة لماذا نرهقه وأهله بالتقدم لسلسلة من الامتحانات التي لن تضيف له ‏شيء يذكر، كما أننا نعيد بذلك الأهمية للمعلم وللتقويم المدرسي. إن إعادة النظر في ‏وظيفة الامتحان هو تحول نحو “التقويم من أجل التعلم”؛ حيث تؤدي كل أداة وظيفتها ‏بدقة ودون ازدواجية، وبما يحفظ كرامة الطالب ورفاهه النفسي. ‏
‏
‏3. قضية الطلبة في الخارج: الاختبار الميداني لمرونة النظام وعدالته‏
‏ تتباين الأنظمة التعليمية بتباين الدول، فالطالب الحاصل على الثانوية العامة الأردنية قد ‏يطلب منه التقدم لعدد من الاختبارات اعتماداً على التخصص الذي يرغب بدراسته إذا ‏رغب بالدراسة في دولة غير الأردن، إن العدالة في القياس لا تعني التطبيق الحرفي ‏الصارم للقواعد على الجميع دون النظر في الظروف والمقدمات، بل تتطلب الوضوح ‏المسبق والإنصاف الموضوعي، وبدلاً من الاكتفاء بسؤال: “هل درس الطالب هذه المادة ‏المطلوبة أو تلك؟”، ينبغي أن نسأل بعقلية المختص: ‏
‏
ما هي الفجوة المعرفية الفعلية لدى الطالب؟ ‏
• وكيف نمنحه فرصة عادلة وموضوعية لإثبات كفاياته (عبر امتحانات تحديد مستوى دقيقة أو ‏برامج استدراكية ميسرة) بدلاً من أن يتحمل تبعات اختلافات تنظيمية بين الأنظمة التعليمية؟ إن ‏وجود سياسة وطنية معلنة ومستقرة لمعادلة الشهادات في الخارج هو ضمان ألا يجد الطالب نفسه ‏أمام شروط مفاجئة لم تكن واضحة له عند بدء مسيرته الدراسية. ‏
‏4. بالأدلة لا بالانطباعات نقيس نجاح الإصلاح
‏ نتمسك في القياس والتقويم بدقة بالقاعدة التربوية: “ما لا يمكن قياسه، لا يمكن تحسينه”، وكما ‏نطلب من المعلم تقويم تعلم طلبته باستمرار لتطوير أساليب تدريسه، فإن المنظومة التعليمية بأكملها يجب ‏أن تخضع لعمليات تقويم دورية ومستقلة، إن قياس نجاح النظام الجديد لا يتأتى ببيانات إنشائية، بل عبر ‏مؤشرات ميدانية صادقة تجيب عن الأسئلة الاتية:‏
• هل انخفضت مستويات قلق الامتحان في البيوت الأردنية؟ ‏
• هل ارتفعت دافعية الطلبة ونمى شغفهم المعرفي بعيداً عن الحفظ والبصم؟ ‏
• كيف ينعكس هذا النظام على معدلات استقرار الطلبة وأدائهم الأكاديمي في سنتهم الجامعية ‏الأولى؟ ‏
• هل تحققت العدالة وتكافؤ الفرص بين المدارس المركزية ومدارس الأطراف؟ ‏
• ما اتجاهات الطلبة وأولياء أمورهم نحو نظام التقويم؟
• ما التحديات التي تواجه نظام التقويم؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

إن هذه المؤشرات تتطلب دراسات علمية دورية تستند إلى بيانات واقعية من الميدان، وتشمل الطلبة ‏والمعلمين وأولياء الأمور، للتمييز بين مشكلات الفلسفة ومشكلات التنفيذ وإصلاحها أولاً بأول. ‏

واخيراً إن تطوير الثانوية العامة في الأردن جهد استراتيجي ونبيل يستحق الدعم والاستمرار، لكن أي ‏إصلاح تعليمي كبير لا يكتمل بمجرد إقرار التعليمات أو تغيير أشكال الاختبارات، إن نجاح الإصلاح ‏يقاس بمدى قدرتنا على بناء نظام تقويم عادل، شفاف، وإنساني؛ نظام يرى في الطالب قدرات وإمكانات ‏يسعى لاستكشافها ورعايتها، لا عثرات يحاول اصطيادها، نظام يبني جسراً آمناً للانتقال من المدرسة إلى ‏الجامعة على أسس راسخة من الكفاية وتكافؤ الفرص. ‏

فالنجاح في التربية—كما في القياس—لا يُحسب بما نعلنه من نيات وطموحات، بل بما نحدثه من أثر ‏إيجابي حقيقي في حياة أبنائنا ومستقبلهم. ‏

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com