الإثنين , يوليو 6 2026 | 6:27 م
الرئيسية / stop / الجامعة بين برجها العاجي وسوقها الاستهلاكي: نحو رسالة ثالثة للصالح العام

الجامعة بين برجها العاجي وسوقها الاستهلاكي: نحو رسالة ثالثة للصالح العام

فيلادلفيا نيوز

  ا.د مخلد سليمان الطراونه

إن السؤال عن غاية الجامعة ورسالتها هو سؤال قديم قدم المؤسسة الجامعية ذاتها، لكنه لم يبلغ من الإلحاح ما بلغه اليوم، في ظل تحولات كونية طارئة تطال كل شيء؛ من المناخ إلى التكنولوجيا، ومن الاقتصاد إلى القيم. فالرؤية التقليدية التي صورت الجامعة برجًا عاجيًا منيفًا، منعزلًا عن صخب الحياة، متفرغًا لطلب المعرفة الخالصة وتهذيب النفس، باتت تبدو عصية على التحقق في زمان تتدافع فيه الأزمات وتتشابك، كما أن النموذج المقابل الذي استبدل هذا البرج بورشة كبرى لإنتاج الشهادات وتغذية أسواق العمل لم يثبت كفاءته أيضًا، إذ حول الجامعة إلى سوق تنافسية يشتري فيها الطالب شهادته كما يشتري سلعة، وتُقاس فيها قيمة التعليم بمعدلات التوظيف لا بجودة العقل. وهكذا وجدت الجامعة نفسها ممزقة بين مثالية متوارثة غير قابلة للتحقق، ونفعية ضيقة لا تفي بوعودها، فأصبح إعادة التفكير في هويتها ورسالتها ضرورة وجودية لا رفاهية نظرية.

لقد نهضت الجامعة الحديثة تاريخيًا على ركيزتين عريضتين: الأولى نسبت إلى جون هنري نيومان، وجعلت الغاية الأسمى للجامعة هي تنمية الملكات الذهنية والسعي وراء المعرفة لذاتها، من غير نظر إلى منفعة خارجية، والثانية نسبت إلى فلهلم فون هومبولت، ودعت إلى دمج البحث بالتدريس من أجل دفع عجلة العلم والثقافة معًا. لكن هاتين الركيزتين تتعرضان اليوم لضغوط عنيفة من جهات شتى، ذلك أن المنطق النيوليبرالي وهيمنة قيم السوق غزتا مؤسسات التعليم العالي، فإذا بالجامعة تدار كشركة، وأعضاء هيئتها كموظفين يخضعون لمؤشرات الأداء، وطلابها كزبائن يسعون إلى مردود سريع على استثمارهم التعليمي. وقد ترتب على ذلك تآكل الروح الأكاديمية الجماعية، وتراجع مكانة العلوم الإنسانية والفنون التي لا تدر عائدًا ماديًا فوريًا، وفشل الجامعة ذاتها في تحقيق ما تعد به من استقرار وظيفي لخريجيها، لأن سوق العمل يتغير بأسرع مما تغير المناهج، ولأن الشهادة وحدها لم تعد ضمانة في عالم تسوده أتمتة الوظائف وعدم اليقين. وفي مقابل ذلك، لم يعد ممكناً للجامعة أن تحتمي بعزلتها الأكاديمية وتتفرغ لما تسميه معرفة خالصة، بينما العالم يحترق تحت وطأة التغير المناخي ويتفكك بسبب الفجوات الاقتصادية الفادحة والصراعات الجيوسياسية، فالثقة بالجامعة تتآكل باستمرار، ويتردد سؤال شرعيتها ومشاركتها في حل مشكلات الناس الحقيقية، ومدى عدالة ولوجها وتنوعها. ومن هنا ولد ما يُعرف اليوم بـ”المهمة الثالثة” للجامعة، وهي رؤية جديدة تتجاوز الثنائية التقليدية بين التدريس والبحث، وتدعو الجامعة إلى أن تكون فاعلًا أساسيًا في التنمية المجتمعية والاقتصادية والابتكار، ليس باعتبار ذلك إضافة عارضة إلى مهامها، بل تحولاً في هويتها ذاتها. فلم يعد المطلوب منها أن تنقل المعرفة إلى الطلاب فحسب، بل أن تصنع قيمة مضافة تترجم إلى حلول للمشكلات المستعصية، وإلى شركات ناشئة وبراءات اختراع وفرص عمل، وإلى سياسات عمومية أكثر إنصافًا وفعالية. فالجامعة اليوم مدعوة لأن تكون “مرتكزًا اجتماعيًا” يربط المعرفة بالاحتياج، والعلم بالعدالة، والبحث بالمشاركة، وهذا يقتضي منها أن تفتح ذراعيها للمجتمع، وأن تستمع إلى مشكلاته، وأن تشرك غير الأكاديميين في تحديد أولوياتها البحثية، وألا تحتكر المعرفة في قاعاتها ومكتباتها، بل تنشرها في كل اتجاه، وتجعل من نفسها منصة للتعلم مدى الحياة، لا مجرد محطة عابرة يحصل فيها الشاب على شهادة ثم يمضي. وفي هذا السياق، تُعاد صياغة العلاقة بين الجامعة والمجتمع على أساس المنفعة المتبادلة، بحيث تستفيد الجامعة من خبرات المجتمع وقضاياه، ويستفيد المجتمع من أبحاث الجامعة وابتكاراتها وخريجيها المؤهلين تأهيلًا يتجاوز المهارات التقنية إلى الكفاية الأخلاقية والقدرة على الحكم في ظل الغموض والتعقيد.

غير أن هذه المهمة الثالثة لا تعني قطيعة مع إرث الجامعة النقدي، بل هي تجديد للالتزام بالصالح العام الذي كان في صميم نشأة الجامعات الأوروبية الأولى. فهي تدعو إلى إعادة توزيع الموارد والفرص المعرفية بشكل أكثر عدالة، بحيث لا تتركز الجامعات المتميزة في المدن الغنية وحدها، ولا تقتصر خدماتها على النخب القادرة على دفع الرسوم الباهظة، بل تمتد إلى المجتمعات المهمشة والأطراف النائية، على نحو يشبه دور المكتبات العمومية في نشر الثقافة والمعرفة. كما أن الجامعة مدعوة في هذه الرؤية إلى أن تكون فاعلًا في مجال حقوق الإنسان، من خلال مراجعة استثماراتها وشراكاتها وأولوياتها البحثية في ضوء معايير أخلاقية واضحة، وألا تكون أداة في يد مصالح كبرى، سواء كانت حكومية أو صناعية، توجِّه أسئلتها وتحدد أجندتها، بل يجب أن تحتفظ بمسافة نقدية تمكنها من قول الحقيقة للسلطة، ومناصرة الفئات المهمشة، والدفاع عن قيم الكرامة والمساواة والمواطنة.

وفيما يتعلق بالطالب، فإن الرسالة الجديدة للجامعة تتجاوز بكثير فكرة تخريج موظف مؤهل، إلى بناء إنسان قادر على التفكير النقدي، واتخاذ قرارات مسؤولة في عالم متشابك، والتعامل مع التنوع الثقافي والأخلاقي بوعي وانفتاح. وهذا يقتضي إدراج الأخلاقيات والاستدامة والمشاركة المدنية في صلب المناهج، وليس على هامشها، بحيث يخرج الخريج وهو لا يحمل شهادة فحسب، بل يحمل أيضًا قدرة على التساؤل والاختلاف والتعاون، وشعورًا بالمسؤولية تجاه مجتمعه. ومقابل ذلك، تتجه الجامعات إلى تبني نموذج التعلم مدى الحياة، لأن المعرفة تتقادم اليوم بسرعة غير مسبوقة، ولم يعد ما يُتعلم في سنوات الدراسة الأولى كافيًا لمواكبة متغيرات العصر، فتُقدم الجامعات شهادات مهنية مصغرة، ودورات متخصصة، ومسارات مرنة يمكن للمتخصصين العودة إليها بين حين وآخر لإعادة شحن معارفهم وتطوير مهاراتهم، وهكذا تتحول الجامعة من مؤسسة مرحلة عمرية إلى شريك دائم في رحلة التعلم الإنسانية.

في المحصلة، إن إعادة التفكير في رسالة الجامعة الحديثة ليست مجرد تمرين أكاديمي أو موضة إدارية عابرة، بل هي استجابة لاختبار وجودي حقيقي تواجهه المؤسسة التي كانت لأمد طويل رمزًا للعقل النقدي والاستقلال الفكري. وحتى تنجح الجامعة في هذا الاختبار، فإن عليها أن توازن بين أدوارها المتعددة من غير أن تفقد بوصلتها: فهي مطلوب منها أن تكون منتجة للثروة والابتكار، لكن دون أن تصبح ذراعًا للرأسمالية؛ ومطلوب منها أن تكون ناقدة للمجتمع، لكن دون أن تنعزل عنه؛ ومطلوب منها أن تُعد الطلاب لسوق العمل، لكن دون أن تختزل الإنسان في وظيفته؛ ومطلوب منها أن تكون عالمية في طموحاتها، لكن دون أن تنسى جذورها المحلية واحتياجات مجتمعها القريب. وهذه التوترات ليست عيبًا في المشروع الجامعي، بل هي طبيعته الحية، والقيادة الشجاعة هي التي تعرف كيف تسير في هذه المنطقة الرمادية من غير يأس أو انهزام، وتصنع جامعة منفتحة، عادلة، ناقدة، وفاعلة، تدرك أن مستقبلها لا يكمن في استعادة ماضٍ أسطوري، ولا في الانقياد لحاضر استهلاكي، بل في ابتكار مستقبل مختلف، تكون فيه المعرفة في خدمة الإنسان لا في خدمة القوة أو الربح وحدهم.

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com