الأحد , أبريل 19 2026 | 12:29 ص
الرئيسية / stop / ‏الشريف محمد بن على الحسني يكتب.. تفكيك النص المقدس بين فرضيات الأسطورة ومنهج القرآن

‏الشريف محمد بن على الحسني يكتب.. تفكيك النص المقدس بين فرضيات الأسطورة ومنهج القرآن

فيلادلفيا نيوز

‏الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

‏الأسطورة بين الذاكرة والوحي: من يُصحّح من؟

 

‏حين يُطرح القول بأن ما وصلنا في المرويات الإسلامية ليس إلا بقايا أساطير يمنية قديمة تعرّضت للتشويه عبر الزمن، وأن مهمة الباحث المعاصر هي إعادة ترميم تلك الذاكرة من خلال مقارنة النصوص وتحليل الأسماء والطقوس، فإن هذا الطرح – على ما فيه من جاذبية معرفية – يصطدم مباشرة بمنهج القرآن ذاته في بناء الوعي بالتاريخ والإنسان.

 

‏فالقرآن لا يقدّم نفسه بوصفه ناقلًا لذاكرة بشرية مشوشة، بل يعلن بوضوح أنه مرجع تصحيحي أعلى، وأن ما يرويه هو الحق الذي يعلو على كل رواية. يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3)، ويقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: 62)، فهنا لا يترك القرآن مجالًا لاعتباره مجرد صدى لأسطورة سابقة، بل يضع نفسه معيارًا يُوزن به ما سواه.

 

‏وعند النظر إلى قصة عاد، التي يُراد تأويلها على أنها بقايا طقس وثني مرتبط بإله المطر، نجد أن القرآن يهدم هذا البناء من أساسه، إذ ينزع كل وساطة طقسية أو كهنوتية، ويعيد الفعل مباشرة إلى الله سبحانه، فيقول: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (الحاقة: 6)، فالريح هنا ليست نتيجة طقس، ولا استجابة لقرابين، بل أمر إلهي مباشر بالعقاب. بل إن القرآن يعيد تعريف مصدر الغيث ذاته، فيقرر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (الشورى: 28)، ليقطع الطريق على أي تصور لوجود إله وسيط أو قوة طبيعية مستقلة.

 

‏أما الاشتغال على الأسماء، كتحويل “قيل بن عثر” إلى أثرٍ لإله “عثتر”، فهو قائم على التشابه الصوتي، وهو منهج لو أُطلق بلا ضابط لأمكن ردّ كل اسم إلى أصل أسطوري متخيّل. والقرآن نفسه يلفت النظر إلى خطورة هذا المسلك، حين يصف بنية الوثنية بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (النجم: 23)، أي أن تحويل الأسماء إلى كيانات مقدسة هو أصل الانحراف، لا مفتاح فهم الحقيقة.

 

‏ثم إن الفرضية التي ترى في المرويات الإسلامية غطاءً لأسطورة أقدم، تتجاهل أن القرآن يقرر العكس تمامًا، فهو لا يستعير القصص، بل يفصلها ويصححها ويعيدها إلى أصلها النقي، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: 111)، فالوحي هنا ليس نتاج تراكم، بل عملية تصفية وإعادة تأسيس للمعنى.

 

‏ومن هنا يمكن قلب الفرضية رأسًا على عقب: ليس القرآن بقايا أسطورة، بل الأساطير هي بقايا وحيٍ قديم تعرّض للتحريف عبر الزمن. وهذا ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (البقرة: 213)، أي أن الأصل كان على توحيد، ثم تفرقت الروايات وتعددت التصورات، فجاء الوحي ليعيد ضبط المسار.

 

‏أما ما يُستدل به من ألفاظ مثل “المتوردون” في سياق الأسود العنسي، فليس بالضرورة أن يحمل دلالة طقسية وثنية، بل هو في سياقه اللغوي والسياسي تعبير عن التعدي أو فرض الحضور، وهو معنى عربي قائم بذاته، ولا يحتاج إلى تحميله أبعادًا أسطورية.

 

‏إن المنهج القرآني لا يسمح بقراءة التاريخ الديني بوصفه نتاج طقوس وأساطير أعيد تشكيلها، بل يقدمه كسلسلة من الوحي الإلهي الذي تعرّض للتحريف، ثم جاء القرآن ليكون خاتمة التصحيح. ومن هنا فإن التعامل مع النص القرآني لا يكون بإخضاعه لفرضيات مستمدة من الأسطورة، بل بجعله هو الميزان الذي تُعرض عليه تلك الفرضيات.

 

‏وفي ضوء ذلك يتضح أن القضية ليست في العثور على جذور أسطورية للنص، بل في إدراك أن الوحي جاء ليحرر الإنسان من سلطة الأسطورة، ويعيده إلى الحقيقة التي غابت خلف تراكمات الزمن. وهنا تتجلى القاعدة الكبرى التي يؤسسها القرآن:الوحي يُصحّح الذاكرة، لا يُستخرج منها.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com