الإثنين , يناير 19 2026 | 8:29 م
الرئيسية / stop / التشريعات الذكية في مواجهة جرائم الذكاء الصناعي

التشريعات الذكية في مواجهة جرائم الذكاء الصناعي

اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة

يشهد العالم تحولاً نوعياً غير مسبوق بفعل التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الصناعي، وهو تحول امتد تأثيره إلى مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها المجال الأمني. فرغم ما وفرته هذه التقنيات من أدوات متقدمة دعمت قدرات المؤسسات الأمنية، إلا أنها في المقابل أسهمت في نشوء أنماط جديدة من الجريمة، تتسم بدرجة عالية من التعقيد، وتتجاوز حدود الأدوات التقليدية للوقاية والمكافحة. ومن ثمّ بات التصدي للجريمة في عصر الذكاء الصناعي تحدياً مركباً يستلزم تبنّي استراتيجيات حديثة، ترفدها تشريعات مرنة وقابلة للتحديث السريع.

لقد أسهم الذكاء الصناعي في تطوير قدرات المجرمين بشكل ملحوظ، حيث ظهر جيل جديد من البرمجيات الخبيثة القادرة على تغيير خصائصها تلقائياً لتجنب الرصد، إلى جانب استخدام الرسائل والأصوات المزيفة في الاحتيال، واختراق الأنظمة عبر تحليل كم هائل من البيانات. كما انتشرت تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، التي تُستغل في ابتزاز الأفراد عبر مقاطع مصطنعة، أو نشر معلومات مضللة قد تؤدي إلى اضطرابات أمنية أو اجتماعية، فضلاً عن استخدامها في تنفيذ جرائم مالية معقدة على امتدادات الفضاء السيبراني، الذي يشهد تطوراً متسارعاً في أساليب الجريمة.

وفي ضوء هذا المشهد المتغير، أصبحت مكافحة هذه الجرائم عملية بالغة التعقيد، تتطلب تكاملاً فعّالاً بين التكنولوجيا المتقدمة، والخبرة البشرية، والإطار التشريعي العصري القادر على مواكبة المستجدات. فبرغم ما تمنحه تقنيات الذكاء الصناعي للمؤسسات الأمنية من قدرات غير مسبوقة في تتبع النشاط الجرمي، إلا أنها تفرض في الوقت ذاته تحديات متجددة تستلزم جاهزية دائمة وتطويراً مستمراً.

وقد أثبتت الأجهزة الأمنية في وطننا، بفضل الله، قدرة متميزة على مواكبة هذه التطورات التقنية واستيعابها بسرعة وكفاءة. غير أن الإطار التشريعي لا يزال يعاني بطئاً في التطور، وعجزاً عن ملاحقة الشكل الجديد للجرائم، مما ينعكس على سرعة الفصل القضائي، ويُضعف فعالية العقوبات في معالجة حجم الأضرار المترتبة على هذه الأنماط من الجريمة. ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى تعزيز منظومة العدالة الجنائية بتشريعات ذكية قادرة على تمكين القضاء والأجهزة الأمنية من مواجهة هذه التحديات المستجدة.

ويقصد بالتشريعات الذكية: منظومة قانونية رقمية التوجه، تُبنى وتُطبق اعتماداً على التقنيات الحديثة، لتكون سريعة الاستجابة للمستجدات، مرنة وقابلة للتحديث المستمر دون تعقيد، قائمة على البيانات الدقيقة لا التقديرات العامة، ومتوافقة مع متطلبات التحول الرقمي وحوكمة البيانات، ومدعومة بتقنيات الذكاء الصناعي في مراحل الصياغة والتحليل والتطبيق. ويمكن الاستفادة من الذكاء الصناعي في إعداد مسودات مشاريع القوانين، وتحليل التعارضات بين النصوص، وتقييم أثر التشريعات قبل اعتمادها رسمياً.

وقد بدأت العديد من الدول المتقدمة في تبنّي هذا النوع من التشريعات، التي تمتاز بمرونتها وقدرتها على التحديث الدوري وفق ما تفرضه التطورات التقنية والاقتصادية والأمنية المتسارعة. وإن تبنّي مثل هذه التشريعات في وقتنا الراهن لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة المرحلة، ويجب العمل على اعتمادها دون تأخير.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com