فيلادلفيا نيوز
نبيل عماري
في حياة كل جيل تشكل الأماكن ذاكرة وذكرى.. وكوني من الذين تفتح وعيهم الأول في نهايات الستينات فستظل ذاكرة الاماكن وذاكرة المكان جزءاً من تاريخ هذا الجيل الذي لا ندري ان كان محظوظاً أم جيل شقاء .
جيل تجرع مرارة هزيمة 67 وفرح في معركة الكرامة وحزن حزناً شديداً عندما أستشهد وصفي التل جيل لبس لباس وصفي جرزاية الصوف ذات القبة الدائرية وفرح بأسمه وهو يتلى ناجح بالمترك أو التوجيهي من الأذاعة الأردنية جيل شاهد لأول مرة التلفزيون العادي والملون.
جيل فيه حنو لمدرسة كان يمشي ليصلها في البرد القارص وحرارة الصيف جيل قليل التذمر جيل راديو الترانزستر وأذاعة عمان وصوت مونتي كارلو وحكمت وهبه وكابي لطيف وأذاعة لندن ومحمد الأزرق وأفتيم قريطم وسامي حداد وكنا نقلد أصواتهم والأستماع لحسن الكرمي ببرنامج قول على قول.
جيل كان يراسل مجلة العربي والهلال والمختار يكتب قصة قصيرة وشعر جيل كان يذهب للبريد ليتكلم بالتلفون أو يناديه أبن الجيران لكم تلفون جيل لم يمتلك سيارة وكان يعتبر عمان أخر الدنيا.
جيل كانت هواياته جمع الطوابع والعملة وقراءة قصص أغاثا كريستي وأرسين لوبين وروايات نجيب محفوظ والسباعي ويوسف أدريس والأدب الروسي جيل كان يشاهد علب الببسي في الأفلام الأمريكية لم يعرف الشيبس ولا دجاج الكنتاكي بل أول دجاج شاهده كان كويك ميل جيل كان يتبارز بالشعر ويحفظ المعلقات.
جيل عانى القلة كانت الحلوى عنده رغيف خبز مدهون بسمنة بلدية ورشة سكر أو حبة شوكلاطة مترو جيل كان يشتي في 1 تشرين الثاني ويصيف في 1 آيار جيل شاهد بيوت الطين ودكاكين المحبة ومرطبانات الملبس والفيصلية والكعكبان.
جيل كان يشتري وقية القضامة بتعرفية جيل كان القرش أسمى ما يطلبه جيل رغيف الخبز المتداول بين الجيران.
جيل من تصور في أستديو قرمز لغايات هوية أو جواز ووقف جامداً لا يحرك ساكناً عندما كان يتصور في أستديو وينتظر بفارغ الصبر صدور الصورة نعم نحن جيل كان يسمع لعبدالحليم ونجاة وفيروز ويقرأ من شعر نزار جيل الصباحات الجميلة وصوت تغاريد الطيور وظلال شجرة الكينا في يوم حار .
جيل سكون الليل وتنهدات أم كلثوم أد آيه من عمري راح جيل كان يعشق الكلمات قبل اللحن جيل يحن للأماكن لرائحة قهوة تتحمص لصوت سجع بائعين لثلاجة كان يضع بها الليمون لتصبح أسكيمو وينادي الفجرليعمل بالعطلة الصيفية جيل لم تربيه بنغالية أو فليبينية وسيرلانكية لم يصحيه الباص البرتقالي ولم يطلب دوروس خصوصية بل كان ينجح في المدارس الحكومية برسوم 75 قرش ومغيطة نعم نحن جيل فرح حرب تشرين والكرامة والعروبة وأناشيد كنا نزهو بها كل صباح خافقاً بالمعالي والمنى ، ويا علمي يا علم . وكل شيء للوطن ، وأني لأقسم بالأله قسماً تخر له الجباه بل كنا عندما نسمع عبد الوهاب في نشيد كل أخ عربي أخي وكل ما أملي معاي نزداد زهواً وعنفوان ونطرب لفريد الأطرش لا وعينيك وأول همسة نسرح بجمال البنت الريفية عندما يغني لها توفيق النمري ونعشق أغاني فهد بلان وهيام يونس ونسرح مع فيروز في رائعة نزار قباني لاتسألوني ما أسمه حبيبي ونسهر معها في سكن الليل .
لهذا يلجأ جيلنا الستيني والسبعيني الى الذاكرة لعلها تلعق بعض جراح نازفة في هذا الزمن.. ونستحضر صوراً، وصور لعلها تكون قادرة على إسعافنا وتذكيرنا بزمان كان لجيلنا زمان رائع .