فيلادلفيا نيوز
في إشارة تحذيرية تنذر بتقلبات عنيفة قد تضرب الأسواق المالية العالمية، انزلق مؤشر الخوف والجشع الصادر عن شبكة CNN إلى النقطة 4 فقط، وهو من أدنى المستويات المسجّلة على الإطلاق، ما يُصنّف الوضع ضمن منطقة «الخوف الشديد».
هذا التراجع الحاد لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع موجة من التوترات الاقتصادية العالمية، أبرزها عودة التصعيد في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها، بقيادة القرارات الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة.
وفي ما يلي، نسلّط الضوء على أبعاد هذا الانهيار في المؤشر، ونتتبع تداعياته على الأسواق، مدعمين ذلك بآراء خبراء المال والاستثمار.
ما هو مؤشر الخوف والجشع؟ وما أهميته؟
مؤشر الخوف والجشع هو أداة طورتها شبكة CNN لتقييم معنويات المستثمرين في أسواق الأسهم الأميركية، عبر تحليل 7 عوامل منها: تقلبات السوق (VIX)، والطلب على السندات، وزخم السوق، وقوة الأسهم الآمنة وغيرها.
يتراوح المؤشر من 0 (ذعر كامل) إلى 100 (جشع مفرط)، واليوم، عند النقطة 4، نحن أمام واحدة من أكثر اللحظات تشاؤماً في وول ستريت خلال السنوات الأخيرة.
تراجع المؤشر إلى النقطة 4.. ماذا يعني ذلك للأسواق؟
عندما يصل المؤشر إلى مستويات شديدة الانخفاض، كما هو الحال الآن، فإن ذلك يُترجم إلى: موجة بيع جماعية للأسهم مع لجوء المستثمرين إلى تصفية المراكز الخطرة، وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الأميركية، وتقلص السيولة وازدياد الحذر في قرارات الاستثمار.
وذلك مع تقلّب عنيف في المؤشرات الأميركية مثل ناسداك وستاندرد آند بورز وداو جونز.
وافتتحت مؤشرات وول ستريت على تراجع حاد في تداولات يوم الجمعة 4 أبريل 2025 على إثر رد بكين على رسوم الرئيس دونالد ترامب الجمركية في خطوة تعني تصعيداً جديداً لحرب تجارية عالمية.
وتراجعت المؤشرات الرئيسية في الأسهم الأميركية بشكل واضح منذ افتتاح التعاملات اليوم الجمعة وزاد نزيف الخسارة خلال التداولات، وخسر مؤشر داو جونز أكثر من 1600 نقطة، أي بنسبة 4%.
وهبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 4.7%، كما هوى مؤشر ناسداك بنسبة 5.3%
الحرب التجارية.. عامل مفصلي في هذا الهبوط
رغم وجود مخاوف داخلية تتعلق بالفائدة المرتفعة وتباطؤ الاقتصاد الصيني، فإن عودة التهديدات الحمائية من دونالد ترامب شكّلت صدمة إضافية للأسواق.
وعاد ترامب إلى استخدام الرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي.. وفي خطابه يوم 2 أبريل، وصف يوم الإعلان بأنه «يوم التحرير»، واعتبره خطوة لاستعادة الاستقلال الاقتصادي الأميركي، وفرض رسوماً بنسبة 10% على الواردات جميعها مع رسوم أعلى على بعض الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل الصين (34%) والاتحاد الأوروبي (20%).
برر ترامب هذه الخطوة قائلاً إنه «لا يكترث» إذا رفعت الشركات الأجنبية أسعارها، لأن ذلك سيحفّز الأميركيين على شراء المنتجات المحلية.
لكن ردود الفعل لم تتأخر، فقد أثار القرار موجة من الانتقادات والمخاوف من تداعياته الاقتصادية الواسعة، وردت الصين بقوة، معلنة فرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 34% على الواردات الأميركية بدءاً من 10 أبريل، كما أعلنت بكين عزمها مقاضاة الولايات المتحدة أمام منظمة التجارة العالمية وفرض قيود على تصدير المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في التقنيات الطبية والإلكترونية المتقدمة.
في المقابل، لم تتخذ بقية الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة خطوات مماثلة بعد، إذ يراقبون تطورات الأزمة والمخاوف المتزايدة بشأن الركود الاقتصادي.
هذه الرسائل أعادت للأذهان شبح الحرب التجارية التي شهدها العالم بين 2018 و2020 والتي عطلت سلاسل التوريد العالمية.
ديفيد كاستنر، كبير استراتيجيي الأسواق في «مونداك إنفستمنتس»، علّق بالقول: «الأسواق لا تخشى ترامب بقدر ما تخشى الاضطراب الذي قد تُحدثه سياسته التجارية على تدفق التجارة العالمية، عودة الرسوم الجمركية بهذه القوة ستضرب الأرباح، وتُعزز الخوف».
هل هذه المرة الأولى التي يهبط فيها المؤشر إلى هذا الحد؟
المؤشر لم يصل إلى نقطة 4 منذ سنوات، حيث كانت أدنى مستوياته السابقة تتراوح ما بين 5 إلى 8، وكان ذلك خلال أزمات مثل انهيار الأسواق بسبب كوفيد-19 أو عند رفع الفائدة المفاجئ في 2022.
لكن مستوى 4 يُعتبر حالياً واحداً من أدنى 3 مستويات مسجّلة في تاريخ المؤشر، ما يعكس شدة التوتر والانكماش في ثقة المستثمرين.
هل في هذا الخوف فرص؟
المفارقة أن بعض كبار المستثمرين يرون في لحظات «الخوف الشديد» فرصاً للشراء وليس البيع، فوفقاً للملياردير الأميركي الشهير وارن بافيت: «كن خائفاً عندما يكون الآخرون جشعين، وكن جشعاً عندما يكون الآخرون خائفين»
إلا أن الخبراء يُحذّرون من التسرع، خاصة مع غياب الرؤية الواضحة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي والتوجهات السياسية في الولايات المتحدة.
في النهاية، فإن هبوط مؤشر الخوف والجشع إلى مستوى 4 نقاط لا يُعدّ مجرد رقم في تقرير، بل هو إنذار مبكر لحالة عدم استقرار قد تتفاقم إذا استمرت التوترات التجارية وزادت السياسات الشعبوية المتقابلة.
يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام فرصة استثمارية تاريخية، أم بداية لانكماش كبير؟
