الإثنين , يناير 26 2026 | 10:28 ص
الرئيسية / stop / “غبار العمر” على عيون البناة: مهندسو الأمس.. في انتظار دنانير العلاج

“غبار العمر” على عيون البناة: مهندسو الأمس.. في انتظار دنانير العلاج

فيلادلفيا نيوز

بقلم: أ.د. مخلد الطراونه

ليس كل الغبار ذا طبيعة واحدة. فهناك غبار مواقع البناء، ذاك الذي يعلو الوجوه والملابس مع نهاية يوم عمل شاق؛ إنه غبار الإنجاز والفخر. لكن ثمة نوعاً آخر، أشد قسوة ومرارة: إنه “غبار العمر” الذي يتراكم بهدوء على الأكتاف التي حملت مشاريع الأمة، وعلى العيون التي خططت لمدنها، ليجد مهندسو الأمس أنفسهم في خريف العمر وقد أنهكهم هذا الثقل الصامت، وهم في طابور انتظار طويل، لا لاستلام أوسمة التكريم، بل لصرف “دنانير معدودة” بالكاد تكفي لمواجهة فواتير الصيدلية وطلبات كشفية العلاج ولااسف لم تعد تصرف من نقابة بنوها ليهدمها متخاذلون . هذه ليست حالات فردية عابرة، بل هي ملمح من ملامح أزمة بناء اجتماعي لم يكتمل. إنها حكاية رجال ونساء قضوا عقوداً بين دقة الرسومات وضجيج الآلات، يشيدون الجسور التي نعبرها، ويخططون الطرق التي نسلكها، ويصممون المرافق التي نعتمد عليها. لقد قدموا سنداً مادياً لحضارة الوطن، لكنهم يكتشفون، مع أول فجر للتقاعد، أن السند الاجتماعي الذي وُعدوا به هشٌ لا يحتمل أعباء الشيخوخة وغلاء الدواء.

المأساة: وجهان لعملة واحدة مكسورة

الأول: وجه مادي صريح. حيث تتقاطع ضآلة المعاشات وانعدام تقاعدهم الموعود – التي نادراً ما تواكب تضخم تكاليف الحياة – مع حتمية تردد عيادات الأطباء وشراء الأدوية. فيتحول “العمر الذهبي” الموعود إلى معادلة حسابية قاسية بين دواء القلب وأقساط حفيد، أو بين جلسة العلاج الطبيعي وثمن وجبات الشهر.

الثاني: وجه نفسي ومعنوي أعمق. وهو الشعور بالانفصال المفاجئ عن دائرة العطاء والقيمة، والإحساس بأن خبرة عمر كامل قد أُلقيت على رف النسيان، لتحل محلها بطاقة تأمين صحي ورقم في قائمة المتقاعدين ووعود بصرف مبلغ زهيد من حقه الذي دفعه مسبقا. إن “غبار العمر” لا يعتم الرؤية فحسب، بل يطمس معنى وحدة كاملة من الحياة قضيت في البناء والتشييد.

السؤال الجوهري: أين الخلل؟

لماذا تتحول رواتب المهندسين المتقاعدين -صناع التنمية إلى بداية رحلة همّ مادي وصحي؟

هل يكمن الخلل في أنظمة وتعليمات الصناديق وعشرات الدراسات الاكتوارية واجراس بحجم مجمع النقابات لم توقظ عشرة مجالس؟

أم فساد نتجمله- وقد نبه شيخ المهندسين وعمدتهم ابو الحج بتقريره واقع الحال ان عشرات الحالات وبالدليل القاطع هي فساد بفساد حيث تحول الفساد إلى عبء مالي جديد يثقل كاهل من دفعوا اشتراكاتهم طوال سنوات العمل؟

أم أن الجانب الأكبر من المأساة هو هدر الخبرة الفنية والمالية؟ حيث ترك الحبل على الغارب لاولئل اللاهثين خلف سراب المناصب والاعطيات والمجاملات حيث اضاعو نقابة كانت ذات يوم مطمح لكل مهندس اردني.

دور النقابه والمسؤولية المجتمعية: شركاء أم متفرجون؟

إن دور نقابة المهندسين هنا محوري وأساسي. فهل تقتصر عضويتها على سنوات الدفع والاشتراك، أم تمتد لتصبح شبكة أمان اجتماعي ومعنوي حقيقية لأعضائها القدامى؟ كما أن المسؤولية المجتمعية تفرض على الدولة الاردنية أن تنظر لتلك الفئة كجزء من ذاكرة الوطن الصناعية والإنشائية التي يجب صيانتها ورعايتها، باعتبارهم رأس مال بشرياً لا يعوّض.

في النهاية، ليست القضية مجرد “دنانير معدودة”. إنها قضية كرامة. كرامة من قدموا للوطن سنين العطاء، فلا يليق بهم أن يقضوا سنين الاحتياج في انتظار مرتب ضئيل أو موعد طبي وفي الغالب لا يتحقق. فهل ترفع دولتنا “غبار العمر” عن عيون بناة الأمس، وتتدخل لان الرتق اتسع على الراتق وتكرم مهندسيها برعاية تكفل لهم شيخوخة كريمة لا نطلب شفقة بل تنحية الجميع وتسلم زمام الامر وتحكم بين متشدق يلهث وراء منصب وبين صاحب حق اضاعو حقه وليكن تحقيق بما حصل ومن استفاد، فهذا ليس استجداء بل مطلب وهناك الكثير من يدعو لهذا.

فالعمر قد يترك غباره، لكنه لا يجب أن يمحو الحقوق. والوطن الذي نبنيه جميعاً، لن يكتمل بناؤه إلا بضمان الكرامة لمن وضعوا لبناته الأولى.

 

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com