فيلادلفيا نيوز
بقلم د. سعود ساطي الهذلي
مع اقتراب هلال شهر رمضان المبارك، تنبض القلوب بلهفة اللقاء، وتستعد البيوت لاستقبال ضيف عزيز لا يحلّ إلا ومعه الخير والبركات، ولكن، هل يكفي أن ننتظر رمضان بمجرد شراء المستلزمات وتزيين الشوارع؟ إن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن رمضان ليس “حدثًا موسميًا بل هو “مشروع تغيير” يتطلب تهيئة نفسية وعملية تبدأ قبل الأوان، لضمان استثمار كل لحظة في هذا السباق الرباني.
أولاً: فلسفة الاستعداد، لماذا الآن؟ يؤكد خبراء التربية والعلاقات الأسرية أن النجاح في رمضان يبدأ من شهر شعبان، فالتدريب على الصيام، والقيام، وضبط النفس لا يحدث بضغطة زر ليلة الرؤية، إن الجسم والعقل يحتاجان إلى فترة إحماء تدريجية؛ فمن اعتاد على السهر الطويل والخمول نهاراً سيفقد لذة العبادة في الأيام الأولى بسبب الإرهاق، لذا، فإن التهيئة النفسية هي حجر الزاوية الذي يضمن لنا الانتقال من روتين الحياة العادي إلى أجواء الروحانية دون صدمة جسدية أو تشتت فكري.
ثانياً: الأسرة خلية النحل الرمضانية، لا ينبغي أن يقتصر الاستعداد على الفرد وحده، بل يجب أن تتحول الأسرة بأكملها إلى فريق عمل واحد، وهنا تبرز أهمية “الجلسة الحوارية التي تتضمن:
– بناء الوعي: الاجتماع بالأسرة، والتحدث عن فضل الشهر، ليس بأسلوب الوعظ الجاف، بل بروح المحب والمشتاق.
– وضع الجدول: الاتفاق على جدول زمني واضح يحدد ساعات النوم، ووقت العبادة، ووقت التفاعلات الاجتماعية.
– توزيع الأدوار: رمضان ليس عبئاً على الأم وحدها؛ بل هو فرصة ليتعلم الأبناء معاني التعاون من خلال المشاركة في إعداد الإفطار أو ترتيب المنزل.
– ثالثاً: سحر القدوة: التربية بالأفعال لا بالأقوال، فأعظم درس يمكن أن يقدمه الآباء للأبناء ليس “المحاضرات”، بل “الممارسة”، وعندما يرى الطفل والده يقتطع من وقته لمساعدة الآخرين، أو يرى والدته تلتزم بوردها القرآني بهدوء وسكينة، فإنه يتشرب هذه القيم تلقائياً.
– رمضان مدرسة للتكافل الاجتماعي: من أجمل ما يمكن غرسه في نفوس النشء خلال هذا الشهر هو مفهوم التراحم والترابط، إذ يمكن للأسرة أن تتبنى مبادرات بسيطة لكنها عميقة الأثر، مثل: تجهيز وجبات بسيطة أو تمور لتوزيعها على المارة عند أذان المغرب، أو التواصل مع الأرحام والجيران لتعزيز الروابط الإنسانية التي قد تضعف في زحام الحياة.
– التنبيه على محاذير لصوص الوقت: كبرامج شاشات التلفاز والمحتوى الرقمي التي تستهلك الساعات في ما لا ينفع، وتشتت التركيز عن الغاية الأساسية، والنوم المفرط نهاراً، والذي يحول الصوم إلى مجرد تغيير في مواعيد الأكل بدلاً من كونه جهاداً للنفس وتدريباً على الصبر، بالإضافة إلى العادات الغذائية الخاطئة، مثل الإفراط في الطعام والشراب الذي يؤدي إلى الخمول والكسل عن صلاة التراويح.
في الختام، إن شهر رمضان هو فرصة ذهبية للتقويم السلوكي وإعادة ترتيب الأولويات، إنه المحطة التي نتزود منها بالطاقة الإيمانية لبقية العام، فليكن شعارنا هذا العام هو المشاركة والقدوة، ولنجعل من بيوتنا واحات للذكر والطمأنينة، مدركين أن الإحساس الحقيقي برمضان لا يكتمل إلا حين تتحد المشاعر والأفعال نحو غاية واحدة، وهي التقرب إلى الله عز وجل ونفع خلقه.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ