الخميس , مارس 26 2026 | 3:29 م
الرئيسية / stop / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: حين تتحول الأسطورة إلى سياسة… كيف تُدار الحروب بعقائدٍ مختلقة وصمتٍ مريب

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: حين تتحول الأسطورة إلى سياسة… كيف تُدار الحروب بعقائدٍ مختلقة وصمتٍ مريب

فيلادلفيا نيوز

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

 

ما نشهده في هذا المقطع ليس مجرد زيارة عائلية لوزيرٍ إسرائيلي إلى مزرعة، ولا حتى حديثًا عابرًا لطفلٍ عن بقرةٍ حمراء، بل هو تجلٍّ مكثف لفكرة خطيرة حين تتحول الأسطورة الدينية المؤوّلة إلى أداة سياسية، وتُستثمر داخل وعي الأجيال باعتبارها مشروعًا قادمًا لا خيالًا غابرًا، وهنا تحديدًا يكمن الخطر، لا في “البقرة الحمراء” ذاتها، بل في العقل الذي يعيد إحياءها ويُحمّلها وظيفة جيوسياسية تتجاوز النص إلى الفعل.

 

إن “البقرة الحمراء” في التراث اليهودي التلمودي مرتبطة بطقس تطهيري قديم، لكنها في نسختها المعاصرة لم تعد مجرد شعيرة دينية، بل تحولت في خطاب بعض التيارات الصهيونية الدينية إلى رمز تمهيدي لفكرة “إعادة بناء الهيكل”، وهذه النقلة من الطقس إلى المشروع هي أخطر ما في المسألة، لأنها تنقل الدين من حيز الإيمان الفردي إلى حيز الصراع الجغرافي، ومن الرمز إلى الجرافة، ومن التأويل إلى محاولة فرض واقع.

 

غير أن القراءة العميقة تكشف أن ما يُطرح ليس “نبوءة” بقدر ما هو “إسقاط نفسي”، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم حين تفقد توازنها الأخلاقي والسياسي تبحث عن تبريرات غيبية تمنحها شرعية الاستمرار، وهنا يتم استدعاء النصوص خارج سياقاتها، وبناء سردية خلاصية تُبرر التوسع والهدم تحت لافتة “الوعد الإلهي”، بينما الحقيقة أنها إعادة إنتاج لفكرة الاستحواذ بلغة دينية.

 

والأخطر من ذلك أن هذه السرديات لا تُطرح في الفراغ، بل تُغذى داخل بيئة سياسية تستثمر في التوتر، فحين تُربط فكرة “التطهير بالرماد” بمشروع “هدم المسجد الأقصى”، فإننا أمام خطاب تعبوي يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، ليس فقط داخل المجتمع الإسرائيلي، بل أيضًا لاختبار ردود الفعل في العالم الإسلامي، وكأن الرسالة تقول: إلى أي حد يمكن تمرير هذه الأفكار دون أن يتحرك أحد؟

 

وهنا يظهر الوجه الآخر للمشهد، وهو الصمت، صمتٌ لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، إذ كيف يمكن لأمة تمتلك إرثًا قرآنيًا صريحًا في مركزية المسجد الأقصى أن تتعامل مع هذه الطروحات وكأنها أخبار هامشية؟ وكيف يمكن أن يُختزل الصراع إلى ملفات سياسية آنية بينما تُترك المعركة الرمزية – وهي الأخطر – دون خطاب مقابل يوازيها قوةً وعمقًا؟

 

إن القرآن حين تحدث عن بني إسرائيل لم يُقدّمهم ككيانٍ أسطوري خارج التاريخ، بل وضعهم داخل سننٍ واضحة: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}، وهي قراءة لا تُغذي الكراهية، بل تُنبه إلى أن الانحراف حين يُلبس لباس القداسة يصبح أكثر خطورة، لأنه يَصعب نقده داخل مجتمعه، ويُسوّق خارجه باعتباره حقًا إلهيًا.

 

وفي المقابل، فإن غياب الخطاب الإسلامي العميق لا يعود إلى ضعف النص، بل إلى ضعف التفعيل، فالنبوءات في الإسلام لم تكن يومًا مشروع هدم، بل مشروع هداية، ولم تكن أداة صراع على الحجر، بل على الإنسان، ولهذا فإن الفارق الجوهري بين الرؤيتين أن الأولى تُحوّل المقدس إلى أداة سيطرة، بينما الثانية تُحرر الإنسان من عبودية الأسطورة.

 

إن ما يُبث اليوم من مقاطع وتصريحات ليس عفويًا، بل هو جزء من اختبار الوعي العالمي، فإما أن يُقابل بخطاب علمي رصين يكشف زيف التحويل السياسي للنصوص، أو يُترك لينمو حتى يتحول من فكرة هامشية إلى قناعة عامة، ومن قناعة إلى قرار.

 

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست في المزرعة حيث تقف بقرة حمراء، بل في العقول التي تُصنع فيها المعاني، فإما أن يُعاد ضبطها على ميزان العلم والحق، أو تُترك لتُقاد بأساطير تُشعل الأرض باسم السماء.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com