فيلادلفيا نيوز
المؤرخ الشريف.. خالد بن عبد الرحمن أبلج .. عضو الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
لم تكن المملكة العربية السعودية عبر تاريخها الحديث دولة تبحث عن الأدوار بقدر ما كانت الأدوار الكبرى هي التي تتجه إليها عندما تتعقد الأزمات وتضيق الخيارات. منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، تشكلت السياسة السعودية على قاعدة ثابتة تقوم على الاستقرار، وتغليب الحكمة، وتجنب المغامرات، والعمل على دعم الدول العربية عند الأزمات، وهو النهج الذي تحوّل مع مرور العقود إلى مدرسة سياسية متكاملة في إدارة الأزمات، جعلت المملكة ركيزة أساسية في النظام العربي، وسندًا حقيقيًا للدول العربية في اللحظات المفصلية.
في القضية الفلسطينية، التي ظلت محورًا أساسيًا في السياسة العربية، كان للمملكة دور واضح منذ حرب 1948، ثم تواصل الدعم خلال حرب 1967، وصولًا إلى الدور التاريخي خلال حرب أكتوبر 1973، عندما اتخذ الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود قرار وقف تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل، وهو القرار الذي أعاد تشكيل موازين القوى العالمية، وأكد أن السعودية تمتلك أدوات تأثير استراتيجية عميقة تتجاوز حدود المنطقة. واستمر هذا الدور حتى العقود اللاحقة، حيث ظلت المملكة داعمة للقضية الفلسطينية سياسيًا وإنسانيًا، وصولًا إلى حرب غزة في أكتوبر 2023، حيث أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في قمة عربية مشتركة أن القضية الفلسطينية كانت وستبقى القضية المركزية للدول العربية، فيما تصدرت السعودية الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار، وقدمت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة قوافل إنسانية ضخمة، كما أيدت الخطة المصرية لإعمار غزة التي أقرتها القمة العربية في مارس 2025 وساهمت في تمويلها.
وامتد الدعم السعودي ليشمل لبنان، حيث لعبت المملكة دورًا تاريخيًا في إنهاء الحرب الأهلية عبر رعاية اتفاق الطائف عام 1989، الذي أعاد الاستقرار إلى لبنان بعد مفاوضات استضافتها المملكة وأشرف عليها الملك فهد بن عبدالعزيز، واستمرت المملكة في دعم الاقتصاد اللبناني ومؤسسات الدولة في أزماته المتلاحقة. وفي الوقت نفسه، كان لمصر نصيب كبير من هذا الدعم على مدى عقود، بدءًا من دعمها خلال حرب أكتوبر 1973، مرورًا بالدعم الاقتصادي الكبير بعد عام 2013، حيث تعهدت السعودية والإمارات والكويت بحزمة مساعدات بلغت 12 مليار دولار، وشهدت السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا من المساعدات إلى الشراكات الاستراتيجية عبر إنشاء الشركة السعودية المصرية للاستثمار التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، وارتفع حجم التبادل التجاري إلى 5.9 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025.
وفي منطقة الخليج العربي، وقفت السعودية موقفًا حاسمًا عندما اندلعت أزمة غزو العراق للكويت عام 1990، حيث استضافت قوات التحالف الدولي وقادت الجهود السياسية لتحرير الكويت، وشاركت القوات السعودية بـ 60 إلى 100 ألف جندي ضمن قوات التحالف المكون من 32 دولة، في مشهد أكد أن المملكة تمثل صمام أمان لمنطقة الخليج. وفي اليمن، لعبت المملكة دورًا محوريًا عبر رعاية المبادرة الخليجية عام 2011 التي هدفت إلى نقل السلطة بشكل منظم، ثم واصلت تقديم الدعم الإنساني والسياسي في واحدة من أكبر العمليات الإنسانية في المنطقة. كما برز الدور السعودي في السودان، حيث قادت المملكة جهود الوساطة بين الأطراف المتنازعة منذ اندلاع الأزمة عام 2023، واستضافت جولات تفاوض متعددة في مدينة جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، أسفرت عن عدة اتفاقيات لوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية.
وفي الملف السوري، دعمت المملكة الحل السياسي وساهمت في إعادة سوريا إلى محيطها العربي، في إطار رؤية تهدف إلى استعادة التوازن الإقليمي، كما دعمت الاستقرار في ليبيا وساندت الحلول السياسية التي تهدف إلى إنهاء الانقسام والحفاظ على وحدة الدولة الليبية. وفي البحرين، وقفت المملكة إلى جانب استقرار الدولة خلال أحداث عام 2011 عبر مشاركة قوات درع الجزيرة، في إطار التزامها بحماية أمن الخليج العربي وتعزيز منظومة الأمن الجماعي.
وفي التعامل مع التوترات مع إيران، مرت المملكة بمحطات تاريخية متعددة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 1984، خلال الحرب العراقية الإيرانية، تصاعدت التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية في الخليج العربي فيما عُرف بحرب الناقلات، مع تلويح طهران بإغلاق مضيق هرمز، مما دفع القيادة السعودية بقيادة الملك فهد بن عبدالعزيز إلى اتخاذ إجراءات حاسمة عبر الإعلان عن “خط فهد” الدفاعي للتصدي لأي اختراقات جوية أو تهديدات بحرية، وفي إطار هذا التصدي الحازم، كما أوجدت بديلًا استراتيجيًا تمثل في (توسعة خط أنابيب شرق–غرب) تجاوزت فيه المضائق، وامتد الخط لأكثر من 1200 كم، مما أتاح نقل النفط بعيدًا عن مخاطر مضيق هرمز، وصولًا إلى البحر الأحمر.
ولم تكتفِ رؤية الملك فهد بالرد الدفاعي، بل اتجهت نحو تحييد أصل التهديد عبر حلول جيوسياسية بعيدة المدى؛ فتم توجيه الجهود لتوسعة خط أنابيب الزيت الخام (Petroline)، الذي يربط بقيق شرقًا بـ ينبع غربًا، لذلك استطاعت الموازنة بين الحزم العسكري والدهاء السياسي، لحماية سيادة المملكة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ورسمت منطقة اعتراض جوي رسمتها المملكة في مياه الخليج العربي لحماية المياه الإقليمية والممرات المؤدية إلى الموانئ، لذلك أسقطت القوات الجوية السعودية عام 1984 طائرتين إيرانيتين من طراز F-4 Phantom II تخترقان هذا الخط، فصدر التوجيه بالاشتباك، مما أدى إلى إسقاطهما فورًا في الواقعة الشهيرة. وكانت تلك رسالة عملية بأن “خط فهد” ليس مجرد تصور نظري، بل سيادة تُفرض بقوة القرار، ولن تسمح بأي اختراق لسيادتها، وهي رسالة واضحة من المملكة. وبالتوازي مع ذلك قاد الملك فهد تحركات دبلوماسية فاعلة مع القوى الدولية؛ لتأكيد أن أمن الممرات المائية ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل مسؤولية عالمية. وهكذا تحوّل التهديد بإغلاق المضائق من ورقة ضغط إلى عبء سياسي على من يلوّح بها، وبفضل هذه الرؤية، استطاعت المملكة عبور واحدة من أخطر المراحل دون الانزلاق إلى حرب استنزاف، مع الحفاظ على تدفق الطاقة العالمي، وترسيخ مبدأ سيادةٍ لا تقبل المساومة.
وبعد ثلاث سنوات، وتحديدًا في عام 1987، شهدت العلاقات توترًا بالغًا بعد حادثة اقتحام السفارة السعودية في طهران وإحراقها وقتل السفير السعودي آنذاك بعد أن قدم موقفًا بطوليًا سُجل باسمه، والتي أدت إلى مقتله في انتهاك خطير للأعراف الدولية، كما وقعت اعتداءات إيرانية على الحجاج والمواطنين السعوديين في موسم الحج، مما استدعى المملكة للتدخل المباشر لوقف هذه الهجمات وحماية أمن الحجاج، تأكيدًا لدورها كحامية للمقدسات الإسلامية.
وفي 2011 ذُكر أن هناك مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة الأمريكية عادل الجبير، وتم تسمية العملية في وسائل الإعلام بمؤامرة الاغتيال الإيرانية، في حين سماها مكتب التحقيقات الفيدرالي بعملية التحالف الأحمر، وفي 2016 أيضًا تم اقتحام وإحراق السفارة السعودية في مشهد، وفي 2019 الهجوم على منشآت أرامكو، وتم استخدام الهجمات بالوكالة في كثير من الأحداث في مناطق متفرقة. وهذا تاريخ متجدد من استمرار الاعتداءات، وبالرغم من ذلك، ومع مطلع التسعينيات، تبنت المملكة سياسة التهدئة وإعادة بناء العلاقات مع إيران، فشهدت العلاقات تحسنًا ملحوظًا خلال عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، وصولًا إلى توقيع اتفاقية التعاون الأمني عام 2001 التي هدفت إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. ومع تصاعد التوترات مجددًا بعد عام 2011، تبنت المملكة سياسة قائمة على الردع مع الاستمرار في الدعوة للحلول السياسية، خاصة مع تنامي الأزمات الإقليمية في اليمن وسوريا والعراق. وفي عام 2019، برز موقف المملكة بعد هجوم بقيق وخريص الذي استهدف منشآت نفطية سعودية، حيث تعاملت القيادة بحكمة وهدوء وحرصت على عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع تعزيز قدراتها الدفاعية والعمل دبلوماسيًا لاحتواء التوتر. ثم شهد عام 2023 تحولًا تاريخيًا بتوقيع اتفاق استئناف العلاقات السعودية الإيرانية بوساطة صينية، في خطوة عكست سياسة المملكة القائمة على خفض التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وفي ظل تصاعد التهديدات في البحر الأحمر من قبل الحوثيين المدعومين من إيران خلال السنوات الأخيرة، عززت السعودية تنسيقها الأمني مع مصر والدول المشاطئة للبحر الأحمر، وشهدت الفترة 2024–2025 مناورات عسكرية مشتركة مثل “السهم الثاقب 2024” و”النجم الساطع 2025″، التي جمعت القوات السعودية والمصرية إلى جانب قوات دولية، بهدف تأمين خطوط الملاحة البحرية والتصدي للتهديدات المشتركة. ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2026، أعلنت المملكة موقفًا حازمًا يقوم على عدم الانجرار إلى أي صراع عسكري، مع التأكيد على رفض أي انتهاك للسيادة الوطنية أو تهديد للممرات المائية، ودعت القيادة السعودية جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار، مؤكدة أن استقرار المنطقة خط أحمر، وأن المملكة تمتلك القدرات الدفاعية التي تمكنها من حماية أمنها ومصالحها، مع تمسكها بالنهج الحكيم الذي يرتكز على الردع المتوازن والدبلوماسية الفاعلة.
إن المملكة العربية السعودية تجمع بين الحزم والمرونة، وتوازن دائمًا بين حماية مصالحها وبين دعم الاستقرار العربي والإقليمي، مما يجعلها قوة فاعلة ومسندًا رئيسيًا للدول العربية في مواجهة الأزمات، وحاميًا للمقدسات، وركيزة أساسية في النظام العربي، ودولة تستجيب للأزمات حين تضيق الخيارات، فتكون كما كانت دائمًا، دولة الحكمة ودولة التوازن ودولة الاستقرار، وأثبتت أن سياسة المملكة تعمل وفق حكمة ثابتة استراتيجية وتأني لا يُفهم منه أنه تراجع، بل تدل على القدرة والجمع بين القوة الرادعة والحلول الهندسية الاستراتيجية بعيدًا عن مراهقة البعض السياسية. فالسعودية تعمل لأجل بناء الإنسان وحقن الدماء ونماء الشعوب، فهي إذا أعطت أكرمت وأغدقت، وإذا وعدت أوفت، وتصبر السعودية طويلًا على الاستفزازات، وهو ليس ضعفًا طالما لم تمس سيادتها بشكل مباشر، وتتحمل حين يكون التحمل حماية للمنطقة والعالم، تحمل الود في علاقاتها، ويدها بيضاء حتى لمن أساء الفهم، إيمانًا بأن الحوار يسبق الصدام والفرص تُمنح قبل الحساب، لكنه ليس صبرًا بلا نهاية، فهي تعلم أنها صاحبة ثقل ديني أولًا وأخيرًا واقتصادي وسياسي وبصيرة، لكنها إذا اضطرت للتحرك فإن أفعالها تكون مؤثرة وعميقة الوجع لمن يحاول اختبار صبرها، فهي ليست ساحة اختبار أو هدفًا للتجريب، ففي النهاية سيعلم وقت لا ينفع الندم أن صبرها كان خيارًا لا ضعفًا وعجزًا، فتاريخها حكمة وحزم.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ