فيلادلفيا نيوز
المحامي ناظم أبو حجلة
في الفترة الأخيرة أصبح من الواضح أن الخلافات بين الشركاء في الشركات العائلية في الأردن لم تعد حالات استثنائية بل تحولت إلى ظاهرة تتكرر بشكل ملحوظ خصوصاً في الشركات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من النمو أو انتقلت من جيل إلى آخر وبحكم الممارسة العملية يمكن القول إن هذه الخلافات غالباً لا تبدأ كنزاع قانوني وإنما تتطور تدريجياً من خلافات إدارية أو مالية بسيطة ثم تتفاقم نتيجة غياب إطار واضح يحكم العلاقة بين الشركاء.
في جوهر هذه الإشكالية نجد أن الشركات العائلية تقوم على تداخل دقيق بين الاعتبارات المهنية والعلاقات الشخصية وهو ما يجعل أي خلاف مهما كان بسيطاً قابلاً للتضخم بسرعة فعندما تكون الصلاحيات غير محددة بشكل واضح أو عندما يتم اتخاذ القرارات بناء على اعتبارات عائلية وليس وفق معايير تجارية بحتة يصبح النزاع أمراً شبه حتمي وغالباً ما يظهر ذلك بشكل واضح عند اختلاف الرؤى حول إدارة الشركة أو عند اتخاذ قرارات تتعلق بالتوسع أو الدخول في استثمارات جديدة.
ومن أبرز المسائل التي تثير النزاع مسألة الإدارة والسيطرة ففي كثير من الحالات يبقى القرار الفعلي بيد طرف واحد أو مجموعة محدودة من الشركاء رغم وجود شركاء آخرين يملكون حصصا مؤثرة وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن داخل الشركة ومع مرور الوقت يتحول هذا الخلل إلى مصدر احتكاك دائم خاصة عندما يشعر بعض الشركاء بأن حقوقهم سواء الإدارية أو المالية لا يتم احترامها بالشكل الكافي.
كما أن الجانب المالي يشكل محورا رئيسيا للنزاعات لا سيما في ظل غياب الفصل الواضح بين أموال الشركة وأموال الشركاء وهذا الأمر يظهر بشكل أكبر عند توزيع الأرباح أو عند تحميل الشركة التزامات أو مصاريف لا تحظى بموافقة جميع الشركاء وفي بعض الحالات يمتد الخلاف ليشمل مسائل أكثر تعقيدا مثل تقييم الحصص أو آلية التخارج أو حتى إدارة التدفقات النقدية.
ولا يمكن إغفال أن انتقال الملكية بين الأجيال يعد من أكثر المراحل حساسية ففي هذه المرحلة تتداخل اعتبارات الإرث مع متطلبات الإدارة الحديثة ويظهر التباين في الفكر بين الجيل المؤسس والجيل اللاحق بشكل واضح وغالبا ما يكون غياب التخطيط المسبق لهذه المرحلة سببا مباشرا في نشوء النزاع خصوصا في حال عدم وجود اتفاقيات تنظم عملية الانتقال أو تحدد أدوار كل طرف بشكل دقيق.
ومن خلال المتابعة يتبين أن السبب الحقيقي وراء معظم هذه الخلافات ليس الحدث بحد ذاته وإنما غياب الحوكمة فالشركات التي لا تمتلك اتفاقيات شراكة واضحة أو التي تفتقر إلى أنظمة داخلية تنظم اتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات تكون أكثر عرضة للدخول في نزاعات قد تصل في بعض الأحيان إلى القضاء أو إلى تفكك الشركة بالكامل.
وفي المقابل فإن التعامل مع هذه الخلافات لا يجب أن يكون دائما من منظور تصادمي أو قانوني بحت ففي كثير من الحالات يكون الحل الأكثر فاعلية هو العودة إلى طاولة التفاوض وإعادة تنظيم العلاقة بين الشركاء على أسس واضحة ومكتوبة سواء من خلال تعديل اتفاقيات الشراكة أو إدخال قواعد حوكمة أكثر صرامة أو حتى الاستعانة بإدارة مستقلة عند الحاجة.
في المحصلة يمكن القول إن الشركات العائلية في الأردن تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي فإما أن تستمر بذات النهج التقليدي القائم على العلاقات الشخصية مع ما يحمله ذلك من مخاطر نزاع مستمر أو أن تتجه نحو نموذج أكثر مؤسسية يقوم على الوضوح والحوكمة وفي تقديري فإن استدامة هذه الشركات خاصة في القطاعات الحيوية كالصناعة لم تعد خيارا بل ضرورة وهو ما يفرض على الشركاء إعادة النظر في طريقة إدارة العلاقة فيما بينهم قبل أن تتحول الخلافات إلى نزاعات يصعب احتواؤها.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ