الثلاثاء , يناير 20 2026 | 10:29 ص
الرئيسية / stop / التعليم العالي والاستثمار في الأردن: إصلاح الهيكل الحوكمي والبرامج لتحقيق التحول الاستراتيجي

التعليم العالي والاستثمار في الأردن: إصلاح الهيكل الحوكمي والبرامج لتحقيق التحول الاستراتيجي

فيلادلفيا نيوز

ا.د مخلد سليمان الطراونه

يُشكل التعليم العالي والاستثمار ثنائية حيوية في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأردن، حيث يتقاطعان في علاقة تبادلية معقدة تتراوح بين التعزيز المتبادل والتحدي المشترك. لكن تحقيق التكامل الفعلي بينهما يتطلب إصلاحاً جوهرياً لا يقتصر على المناهج والتمويل فحسب، بل يمتد إلى قلب الحوكمة الإدارية وهيكلة البرامج الأكاديمية نفسها.
تواجه منظومة التعليم العالي في الأردن تحديات متعددة تبدأ من القيود المالية وتفشي ظاهرة “المحاصصة” في تشكيل مجالس الأمناء، مما يحولها أحياناً من هيئات توجيه استراتيجي إلى كيانات تمثيلية تسودها العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة بدلاً من الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي. هذا الواقع ينعكس سلباً على قدرة الجامعات على التطوير والابتكار، حيث تُتخذ القرارات المصيرية بناءً على اعتبارات غير أكاديمية في كثير من الأحيان، مما يؤدي إلى تعطيل مسيرة التطوير الجامعي ويحد من قدرتها على الاستجابة لمتطلبات العصر والتنافسية الإقليمية. كذلك، فإن تشكيلات مجالس الحوكمة في العديد من الجامعات تحتاج إلى مراجعة شاملة. فغالباً ما تطغى الاعتبارات الشخصية والمحسوبية على معايير الكفاءة والخبرة في اختيار الأعضاء، مما يُضعف من فاعلية هذه المجالس في الرقابة والتطوير. إن إعادة بناء هذه المجالس على أسس الكفاءة والتخصص والخبرة الدولية، مع ضمان استقلاليتها وتمثيلها لمختلف القطاعات الاقتصادية والفكرية، سيشكل نقلة نوعية في حوكمة التعليم العالي. كما أن إشراك خبراء عالميين وممثلي القطاع الخاص الرائد في هذه المجالس يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون والتمويل والابتكار.
أما على مستوى البرامج الأكاديمية، فإن ظاهرة التزاحم والتكرار غير المبرر بين الجامعات تشكل تحدياً كبيراً. فبدلاً من التكامل والتخصص والتمايز الذي يُثري النظام التعليمي الوطني، نجد تنافساً سلبياً على جذب الطلاب عبر برامج متشابهة تفتقر في كثير من الأحيان إلى الجودة والملاءمة لسوق العمل. هذا التزاحم يؤدي إلى هدر الموارد المالية والبشرية، ويُضعف من جودة المخرجات التعليمية، ويساهم في زيادة معدلات البطالة بين الخريجين. هذه التحديات الهيكلية تنعكس سلباً على الجاذبية الاستثمارية للأردن. فالمستثمر المحلي والأجنبي يبحث عن بيئة تعليمية متطورة تنتج كوادر مؤهلة تمتلك المهارات التخصصية العالية والقدرة على الابتكار. وعندما يُلاحظ ضعف الحوكمة والتكرار في البرامج وعدم مواءمتها لسوق العمل، فإن ذلك يُضعف ثقته في النظام التعليمي ككل، وبالتالي يُقلص من استعداده للاستثمار في المشاريع التي تعتمد على الكوادر المؤهلة. لكن هذه التحديات يمكن تحويلها إلى فرص عبر إصلاحات استراتيجية جريئة.
أولاً، يجب إعادة تشكيل مجالس أمناء الجامعات وفق معايير موضوعية وشفافة، تعتمد على الكفاءة والخبرة والتخصص، مع تقليص دور الاعتبارات السياسية والمحسوبية. كما أن تخصيص نسبة ثابتة من مقاعد هذه المجالس لممثلي القطاع الخاص الرائد والخبراء الدوليين يمكن أن يضمن تنوع الخبرات وربط القرارات الجامعية باحتياجات سوق العمل والاتجاهات العالمية.
ثانياً، يتطلب الأمر إعادة هيكلة شاملة للبرامج الأكاديمية، تتضمن إجراء مراجعة وطنية شاملة للبرامج المتاحة، وتشجيع التخصص والتمايز بين الجامعات، ودمج البرامج المتشابهة ذات الأعداد القليلة، والتركيز على تطوير برامج نوعية تلبي احتياسات القطاعات الاقتصادية الواعدة، مثل التكنولوجيا الخضراء، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والصحة الدقيقة.
ثالثاً، يمكن استحداث آليات جديدة لضمان الجودة والملاءمة، مثل إنشاء “مرصد وطني لمخرجات التعليم العالي وسوق العمل” يربط بين بيانات الخريجين واحتياجات السوق، ويقدم توصيات دورية لتطوير البرامج وإيقاف البرامج غير الفاعلة. كما أن تعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص في تصميم وتنفيذ البرامج الأكاديمية سيضمن مواءمتها لاحتياجات السوق.
ختاماً، إن إصلاح التعليم العالي في الأردن يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين تطوير الحوكمة ومراجعة البرامج وتعزيز الارتباط بسوق العمل. هذا الإصلاح ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الأردن الاقتصادي والاجتماعي. فمن خلال مجالس أمناء كفوءة ومستقلة، وبرامج أكاديمية متميزة وملائمة، وجسور متينة مع القطاع الخاص، يمكن للتعليم العالي الأردني أن يتحول من عبء على الموازنة إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، ومنتِج للكوادر المؤهلة التي تجذب الاستثمارات النوعية وتدفع عجلة التنمية المستدامة.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com