السبت , أبريل 25 2026 | 3:27 م
الرئيسية / stop / ما وراء الأرقام الصمّاء:

ما وراء الأرقام الصمّاء:

فيلادلفيا نيوز

* حين تتراجع الجريمة في الشكل… وتتقدم في الذكاء..
* قراءة استراتيجية تحليلية في التقرير الجنائي لعام 2025 لمديرية لأمن العام.

د. بشير الدعجه – كاتب ومحلل أمني

لم يعد التقرير الجنائي لعام (2025) مجرد وثيقة إحصائية تُعرض فيها الأرقام وتُطوى بعدها الصفحات… بل أصبح نصًا تحليليًا مفتوحًا يقرأ ما يحدث في عمق المجتمع لا على سطحه فقط… فحين يُعلن عن انخفاض إجمالي في الجريمة بنسبة (4.01%)… فإن القراءة التقليدية قد تكتفي بالاطمئنان… لكن القراءة الاستراتيجية تذهب أبعد من ذلك بكثير… لأنها تدرك أن الأرقام الكلية كثيرًا ما تُخفي تحولات نوعية أكثر تعقيدًا وخطورة…

الحقيقة التي لا بد من قولها بوضوح… نحن لا نعيش مرحلة تراجع للجريمة… بل مرحلة إعادة تشكيل لها… الجريمة لم تختفِ… بل غيّرت جلدها… وانتقلت من أنماط مكشوفة يمكن ملاحقتها ميدانيًا… إلى أنماط ذكية تتخفى خلف الشاشات والعلاقات الاجتماعية والتفاعلات اليومية… وهذا التحول ليس عابرًا… بل يعكس تطورًا في “العقل الجرمي” الذي أصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الضغط الأمني… ما يفرض بدوره تحولًا موازياً في العقيدة الأمنية… من رد الفعل إلى الاستباق… ومن الانتشار إلى الفهم العميق للسلوك… .

* العنف اللحظي… أخطر من الجريمة المخططة:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

الانخفاض الواضح في جرائم القتل العمد بنسبة (21.15%) ليس مجرد إنجاز رقمي… بل دليل قاطع على أن الجريمة الاحترافية المخططة أصبحت بيئة طاردة… نتيجة ارتفاع كلفة التنفيذ… وتعاظم قدرات الرصد والمتابعة… وسرعة الوصول إلى الجناة… وهذا يُحسب بوضوح لمنظومة الأمن العام التي أثبتت أنها قادرة على كسر العمود الفقري لهذا النوع من الجرائم…

لكن الصورة لا تكتمل هنا… لأن الرقم الأخطر ليس ما انخفض… بل ما ارتفع… حيث قفزت جرائم القتل غير المقصود بنسبة (58.33%)… وهذه ليست زيادة عابرة… بل مؤشر سلوكي عميق يكشف أن المجتمع يواجه نمطًا جديدًا من الجريمة… جريمة لا تُخطط… بل تنفجر…

في الواقع الأردني… لم تعد الحوادث تبدأ بنية قتل… بل بخلاف بسيط… مشادة كلامية في الشارع… أولوية مرور… خلاف عائلي… أو حتى تعليق على مواقع التواصل… ثم تتطور خلال دقائق إلى استخدام سلاح… وإزهاق روح… هذا التحول يؤكد أن المشكلة لم تعد في “نية الجريمة”… بل في “غياب القدرة على كبحها”…

وجود السلاح غير المرخص في بيئة مشحونة… هو العامل الأخطر… لأنه يحوّل الانفعال إلى نتيجة قاتلة خلال ثوانٍ… وهنا يجب أن نقولها بجرأة… لا يمكن لأي دولة مهما بلغت قوتها الأمنية أن تسيطر على جريمة لحظية يولد قرارها وينفذ خلال ثوانٍ…

الحل يبدأ من المجتمع… من ضبط السلوك… من إعادة بناء ثقافة التحكم بالغضب… ومن تشديد غير مسبوق على حيازة السلاح العبثي… لأن ترك هذه المعادلة دون تدخل يعني تحويل أي خلاف يومي إلى مشروع جريمة… .

* الجريمة لم تنخفض… بل هاجرت إلى الفضاء الرقمي:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

انخفاض سرقة المركبات بنسبة (31.65%) وتراجع السرقات التقليدية ليس صدفة… بل نتيجة مباشرة لجهد أمني تراكمي… شمل التوسع في أنظمة المراقبة… وتعزيز الدوريات… وتطوير أدوات التتبع… ورفع سرعة الاستجابة… وهذا إنجاز يُسجل بوضوح لمديرية الأمن العام التي نجحت في جعل “الفضاء المادي” بيئة طاردة للجريمة…

لكن ما يجب أن يُقال بوضوح أكبر… أن المجرم لا يختفي… بل يتكيّف… وعندما تُغلق أمامه الأبواب في الشارع… يفتح لنفسه نوافذ في الفضاء الرقمي…

ارتفاع جرائم الاحتيال بنسبة (4.55%) هو مجرد رأس جبل الجليد… لأن هذا النوع من الجرائم يعاني من ضعف التبليغ… ما يعني أن الواقع أكبر بكثير… والدليل على ذلك ما نشهده يوميًا من قضايا احتيال عبر رسائل وهمية… أو روابط مزيفة… أو انتحال صفات رسمية… حيث يقوم الضحية بإدخال بياناته البنكية بنفسه… ثم يكتشف بعد دقائق أن حسابه قد أُفرغ بالكامل…

الأخطر من ذلك… أن هذه الجرائم لا تستهدف فئة محددة… بل تطال الجميع… المتعلم وغير المتعلم… الكبير والصغير… لأنها تعتمد على “الهندسة النفسية” لا على القوة…

وهنا تتغير قواعد اللعبة… لم يعد الأمن مسؤولية الأجهزة فقط… بل مسؤولية كل فرد… لأن الهاتف الذي نحمله في أيدينا… يمكن أن يكون أداة حماية… أو ثغرة اختراق… حسب مستوى الوعي… .

* استثمار الوظيفة… حين تتحول الرقابة إلى قوة ضاربة:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

الارتفاع الكبير في قضايا استثمار الوظيفة بنسبة تجاوزت (200%) قد يثير القلق لدى البعض… لكنه في الحقيقة أحد أقوى المؤشرات على تطور الدولة… لأن الجرائم الإدارية بطبيعتها لا تظهر إلا عندما تصبح أدوات الرقابة أكثر ذكاءً ودقة…

ما حدث في الأردن خلال السنوات الأخيرة هو تحول نوعي نحو “الرقابة الرقمية”… حيث أصبحت الإجراءات موثقة… والبيانات مترابطة… والأنظمة قادرة على كشف أي خلل أو تضارب أو تجاوز دون انتظار شكوى…

وقد شهدنا بالفعل قضايا تم اكتشافها عبر التدقيق الإلكتروني وتحليل البيانات… وليس عبر بلاغات تقليدية… وهذا يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة… يمكن تسميتها “مرحلة انكشاف الفساد”… لا انتشاره…

هذه الحقيقة يجب أن تُفهم كما هي… ارتفاع الأرقام هنا لا يعني زيادة الجريمة… بل زيادة كشفها… وهو ما يعزز الثقة بالدولة… ويبعث برسالة حاسمة لكل من يعتقد أن التجاوز يمكن أن يمر دون رصد… .

* الاعتداء على الموظف العام… خط أحمر لا يحتمل التأويل:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

تسجيل (2,752) حالة اعتداء على الموظفين بزيادة (10.82% ) هو مؤشر لا يجب التعامل معه بخفة… لأنه لا يستهدف شخصًا… بل يستهدف هيبة القانون…

في الواقع… شهدنا اعتداءات على كوادر طبية… وعلى رجال أمن… وعلى موظفين أثناء أداء واجبهم… وهذه ليست حالات فردية معزولة… بل تعكس نمطًا مقلقًا من “الاستقواء على القانون”…

وهنا يجب أن يكون الخطاب واضحًا وحازمًا… لا دولة يمكن أن تستمر إذا شعر الموظف أنه مكشوف… ولا قانون يمكن أن يُطبق إذا كان من ينفذه مهددًا…

الحل لا يكون فقط بالحماية الجسدية… بل ببناء منظومة ردع قانوني وتقني… تشمل التوثيق الكامل… وتفعيل كاميرات الجسد… وتسريع الإجراءات القضائية… وتغليظ العقوبات… لأن التهاون في هذا الملف يفتح الباب لفوضى صامتة… .

* 2026… الجريمة القادمة أخطر لأنها أذكى:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

كل المؤشرات تقود إلى نتيجة واحدة… الجريمة في 2026 لن تكون أكثر عددًا… لكنها ستكون أكثر تعقيدًا… وأكثر سرعة… وأكثر قدرة على التخفي…

سنشهد توسعًا في الاحتيال الرقمي… استخدامًا أوسع للتقنيات الحديثة… وربما دخول أدوات أكثر تطورًا في التزييف والانتحال… إلى جانب استمرار العنف اللحظي الناتج عن هشاشة الضبط السلوكي…

وهذا يعني أن المعركة القادمة لن تُحسم بالدوريات فقط… بل بالمعلومة… وبالتحليل… وبالقدرة على التنبؤ… .

* إشادة مستحقة… الأمن العام بين الإنجاز والتحدي:
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

من الإنصاف… بل من الواجب… أن يُقال بوضوح… إن ما تحقق من انخفاض في الجرائم التقليدية… وسرعة كشف القضايا… والتطور في الأداء الأمني… لم يكن ليحدث لولا الجهد الكبير الذي تبذله مديرية الأمن العام…

هذه المؤسسة أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على التطور… وعلى مواكبة التحديات… وعلى الانتقال من العمل التقليدي إلى العمل الذكي القائم على التكنولوجيا والتحليل…

لكن في المقابل… فإن حجم التحولات في الجريمة يفرض دعمًا أكبر… وتكاملًا أوسع مع المجتمع… لأن الأمن لم يعد مهمة جهاز… بل منظومة وطنية متكاملة… .

* الخلاصة… المعركة القادمة مع “العقل الجرمي”:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

الخلاصة التي يجب أن نخرج بها بوضوح…
نحن لا نواجه جريمة تتراجع… بل جريمة تتطور…
ولا نواجه مجرمًا يختبئ… بل مجرمًا يتكيّف…
المعركة لم تعد بين رجل أمن ومجرم فقط… بل بين عقلين…
عقل يبتكر الجريمة… وعقل يجب أن يسبقه…

وفي هذا السياق… فإن الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة… لن يكون على القوة فقط… بل على الذكاء…
ليس على الانتشار فقط… بل على التنبؤ…
وليس على رد الفعل… بل على استباق الخطر قبل أن يولد…

#د. بشير _الدعجه

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com