الثلاثاء , سبتمبر 8 2026 | 3:52 م
آخر الاخبار
الرئيسية / فنون / ملتقى الشارقة للسرد يفتح في عمّان أسئلة القصة القصيرة ويواصل بناء الجسور الثقافية العربية

ملتقى الشارقة للسرد يفتح في عمّان أسئلة القصة القصيرة ويواصل بناء الجسور الثقافية العربية

فيلادلفيا نيوز – أحمد الطراونة

الدورة الثانية والعشرون تجمع كتّابًا ونقّادًا أردنيين وعربًا في خمس جلسات تبحث الخيال والذات وجماليات النص والتلقي

 

 انطلاق الدورة الثانية والعشرين في المكتبة الوطنية

انطلقت، صباح الثلاثاء، في دائرة المكتبة الوطنية بعمّان، أعمال الدورة الثانية والعشرين من ملتقى الشارقة للسرد، الذي تنظمه دائرة الثقافة في الشارقة تحت عنوان «القصة القصيرة: من خيال الكتابة إلى التلقي»، بمشاركة نخبة من الكتّاب والنقّاد والأكاديميين الأردنيين والعرب، في لقاء يعيد القصة القصيرة إلى واجهة النقاش النقدي، ويقارب ما طرأ عليها من تحولات في البناء واللغة وطرائق القراءة. وأقيم حفل الافتتاح بحضور رئيس دائرة الثقافة في الشارقة عبدالله بن محمد العويس، والقائم بأعمال سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في عمّان حمد عبدالله المطروشي، ومدير إدارة الشؤون الثقافية في دائرة الثقافة بالشارقة ومدير الملتقى محمد إبراهيم القصير، فيما مثّل وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة أمين عام الوزارة الدكتور نضال العياصرة. وبذلك اقترنت الرعاية الرسمية للوزير بتمثيل الوزارة في الافتتاح، من دون حضوره شخصيًا. وقال العياصرة، في كلمة وزارة الثقافة، إن انعقاد الملتقى في دائرة المكتبة الوطنية يكتسب دلالة خاصة، لما تمثله الدائرة من مكانة بوصفها حافظة للذاكرة الوطنية وبيتًا للكتاب والباحثين، مشيدًا بما تقدمه الشارقة من دعم متواصل للثقافة العربية، وما تفتحه مبادراتها من مساحات أمام الكتّاب والمبدعين. وأكد أن الجهد الذي يقوده صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أسهم في تعزيز حضور الثقافة العربية، وربط العمل الثقافي المؤسسي بالمبدع والجمهور، وإقامة جسور تعاون بين المؤسسات الثقافية في الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة. من جهته، أعرب القصير عن سعادة دائرة الثقافة بانعقاد الدورة الجديدة في عمّان، معتبرًا الملتقى محطة للحوار بين المبدعين وتجسيدًا لما يجمع الإمارات والأردن من محبة وتعاون ثقافي. وأشار إلى أن المشروع الثقافي للشارقة ينطلق من إيمان حاكم الشارقة بدور الثقافة في ترسيخ الهوية العربية، وإدامة التواصل بين الكتّاب والنقّاد في مختلف البلدان العربية. وأوضح أن عنوان الدورة يفتح المجال أمام قراءات متعددة لمسار القصة القصيرة، منذ اللحظة التي تتشكل فيها داخل مخيلة الكاتب، وصولًا إلى القارئ الذي يعيد إنتاج دلالاتها وفق خبرته ووعيه ومرجعياته، بما يجعل التلقي جزءًا حيًا من اكتمال النص واستمرار أثره. خمس جلسات تقرأ تحولات القصة وأسئلة التلقي ويرسم البرنامج الفكري للملتقى خريطة واسعة للأسئلة التي تواجه القصة القصيرة العربية، متتبعًا انتقالها من شرارة الخيال الأولى إلى لحظة اكتمالها في وعي القارئ، ومقاربًا علاقتها بالواقع والذات، وما تنطوي عليه نصوصها من خصوصيات جمالية ودلالية. وتبدأ الجلسات بمحور «القصة القصيرة من أفق الخيال إلى الواقع المتسع»، بمشاركة الدكتور زهير عبيدات والدكتور نضال الشمالي، حيث تتناول العلاقة المتحركة بين المخيلة والواقع، وقدرة القاص على التقاط التفاصيل اليومية وإعادة بنائها في عالم فني يتجاوز صورتها المباشرة، ويمنحها أبعادًا إنسانية ودلالية جديدة. وتنتقل الجلسة الثانية إلى محور «المرجعيات الذاتية في القصة القصيرة»، بمشاركة رمضان الرواشدة، والدكتور حسن المجالي، والدكتور ناصر شبانة، والدكتور راشد عيسى. وتبحث الأوراق في حضور السيرة والذاكرة والتجربة الشخصية داخل النص، وفي المسافة التي يقيمها القاص بين حياته الواقعية وعالمه المتخيل، وكيف تتحول الخبرة الفردية إلى مادة فنية مفتوحة على تجارب الآخرين. وتمنح الجلسة الثالثة الجانب الإبداعي مساحة مباشرة، من خلال شهادات يقدمها الأدباء الدكتور مخلد بركات، وسعود قبيلات، وأكرم الزعبي، وسوار الصبيحي، وروند الكفارنة، يستعيدون فيها محطات من تجاربهم في كتابة القصة، ومصادر نصوصهم، وعلاقتهم بالشخصيات والأمكنة واللغة، والتحولات التي طرأت على رؤيتهم لفن السرد القصير. وفي اليوم الثاني يناقش الملتقى محور «القصة القصيرة من خيال الكتابة إلى القراءة»، بمشاركة الدكتورة شهلا العجيلي، والدكتور عماد الضمور، والدكتور نبيل حداد، والدكتورة فداء أبو فردة. ويقارب المحور الرحلة التي يقطعها النص من مخيلة مؤلفه إلى فضاء القارئ، وما يطرأ على دلالاته حين يغادر يد الكاتب ويدخل في تعدد القراءات والتأويلات. وتختتم الجلسات بمحور «الخصوصية في جماليات النص القصصي»، بمشاركة الدكتور عبدالله الخطيب، والدكتور إبراهيم السعافين، والدكتور حسين جمعة، والدكتور مصلح النجار. وتتناول الأوراق العناصر التي تمنح القصة القصيرة فرادتها الفنية؛ من الاقتصاد اللغوي والتكثيف وبناء اللحظة، إلى هندسة المفارقة والإيقاع والنهاية، وقدرتها على احتواء عالم إنساني واسع في مساحة نصية محدودة. ويكشف تنوع المحاور وأسماء المشاركين عن مقاربة تجمع الدرس النقدي بالخبرة الإبداعية، وتضع القصة القصيرة في مواجهة أسئلتها الداخلية وتحولات عصرها، وتستعيد مكانتها فنًا قادرًا على التقاط اللحظة الإنسانية الهاربة، وترك أثر طويل في ذاكرة القارئ. من الشارقة إلى المدن العربية وتحمل الدورة الثانية والعشرون حصيلة مسيرة ثقافية امتدت أكثر من عقدين، نجح خلالها ملتقى الشارقة للسرد في بناء منبر عربي متخصص، يجمع أصواتًا إبداعية ونقدية من أجيال ومدارس وبيئات متعددة، ويتابع تحولات الحكاية العربية وما تثيره من أسئلة فنية وفكرية واجتماعية. انطلق الملتقى من الشارقة، ثم اتسعت جغرافيته ليصل إلى عدد من العواصم والمدن العربية، متنقلًا بين مصر والأردن وتونس والسودان والمغرب وموريتانيا، إلى جانب دوراته التي احتضنتها دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي كل محطة كان يكتسب أسئلة جديدة تفرضها البيئة المستضيفة، وما تحمله من تجارب سردية وذاكرة محلية وخصوصية اجتماعية. ويكشف هذا الانتقال عن رؤية تسعى إلى بناء مجال عربي مشترك تتحاور داخله التجارب وتتقاطع الرؤى. فالسرد يولد في المكان، ويتغذى من ذاكرته ولهجاته وتاريخه وتحولاته؛ وحين ينتقل الملتقى من مدينة إلى أخرى، فإنه يقترب من منابع الحكايات، ويصغي إلى ما يشغل كتّاب كل بيئة ونقادها. كما أتاح الامتداد الجغرافي مشاركة مبدعين قد لا تجمعهم المنابر المركزية في مناسبة واحدة، ووضع التجارب المحلية في مواجهة قراءات عربية أوسع، مانحًا القصة والرواية وسائر الأجناس السردية فرصة للخروج من دوائرها المحدودة إلى فضاء المقارنة والتفاعل والتأثير المتبادل. وعبر دوراته المتلاحقة، تابع الملتقى التحولات التي عرفها السرد العربي في الشكل والبناء واللغة وطرائق التلقي، وفتح ملفاته على قضايا الحداثة والرواية التفاعلية والذكاء الاصطناعي وتحولات القصة القصيرة، مستجيبًا للأسئلة التي يفرضها كل زمن، ومحافظًا على الصلة العميقة بين الحكاية والإنسان والمكان. وجاء اختيار عمّان لاستضافة الدورة الحالية منسجمًا مع هذه الرؤية؛ فالمدينة تحتضن حركة أدبية أسهمت في تطوير القصة والرواية والنقد في الأردن والعالم العربي، وتحمل ذاكرة مكانية واجتماعية ظلت حاضرة في أعمال أجيال من الكتّاب. كما يعيد الملتقى وصل مساره بمحطة أردنية سابقة، ويمنح التجربة السردية الأردنية فرصة جديدة لتقديم منجزها وأسئلتها أمام فضاء عربي أرحب. السرد في قلب مشروع الشارقة الثقافي ويأتي ملتقى الشارقة للسرد في مقدمة المشروعات التي تكشف عمق الرؤية الثقافية للإمارة؛ فقد حافظ على اختصاصه، ووسّع في الوقت نفسه دائرة موضوعاته، فجمع المبدع والناقد والباحث والقارئ في فضاء واحد. يقدم الكاتب خبرته وشهادته، ويقرأ الناقد بنية النص وجمالياته، فيما تصل الجلسات المتخصصة التجربة الإبداعية بسياقها الفكري والاجتماعي. وتنبع أهمية الملتقى من عنايته بالكتابة نفسها، وتحليل مساراتها ورصد أثر التحولات المعرفية والتقنية في أشكالها وموضوعاتها وطرائق تلقيها. كما منحه انتقاله بين المدن العربية طابعًا حيويًا؛ إذ بقيت الشارقة مركز المبادرة، وأصبحت المدينة المستضيفة شريكًا في صياغة الأسئلة واستحضار الخبرات المحلية. ويمثل هذا الملتقى وجهًا من مشروع واسع تتكامل داخله فنون الأدب والمسرح والشعر والتشكيل والتراث والنشر. وقد عملت الشارقة على بناء منظومة تبدأ باكتشاف الموهبة والتدريب، وتنتقل إلى الإنتاج والنشر، ثم تفتح أمام المنجز أبواب العرض والنقد والتكريم والوصول إلى الجمهور. وفي مجال الكتاب، رسخت الإمارة حضورها من خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة الدولي لكتاب الطفل، والمكتبات العامة ومبادرات القراءة والترجمة والنشر. وأسهم هذا المسار في جعل الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، وربط صناعة النشر بمشروع المعرفة، والعناية بالقارئ الجديد بالقدر نفسه الذي يحظى به المؤلف. وتوّجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» هذا الجهد باختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019. ويحتل المسرح مساحة أساسية في المشهد الثقافي للشارقة، بوصفه فنًا يجمع الكلمة والصورة والموسيقى والأداء. وتحتضن الإمارة أيام الشارقة المسرحية، ومهرجان المسرح الصحراوي، ومهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، ومهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، إلى جانب برامج المسرح المدرسي والجامعي. وأسهمت هذه المشاريع في تكوين أجيال جديدة من الممثلين والمخرجين والكتّاب والتقنيين، ومنحت المسرحيين العرب منصات للعرض والحوار والتدريب. ويحضر الشعر من خلال مهرجاناته وملتقياته وبيوته الممتدة داخل الشارقة وخارجها، وفي مقدمتها مهرجان الشارقة للشعر العربي ومهرجان الشعر النبطي وبيوت الشعر التي أُنشئت في عدد من المدن العربية. وتحولت هذه البيوت إلى مراكز دائمة تستقبل الشعراء، وتنظم الأمسيات والندوات والورش، وتصدر الدواوين، وتعيد القصيدة إلى فضائها الاجتماعي. وفي الفنون البصرية، صنعت الشارقة حضورًا عربيًا ودوليًا من خلال المتاحف والمعارض وبينالي الشارقة ومهرجان الفنون الإسلامية والملتقيات التشكيلية والخطية. وفتحت هذه المؤسسات أبوابها أمام التجارب المعاصرة، مع الحفاظ على صلتها بالفن العربي والإسلامي وما يحمله من قيم جمالية وروحية وهندسية، فتجاورت في المدينة اللوحة والمنحوتة والخط والصورة والتجهيز الفني. ويمتد المشروع إلى التراث عبر المتاحف والمواقع التاريخية وأيام الشارقة التراثية وبرامج جمع المرويات والعادات والحرف والفنون الشعبية. فالثقافة في رؤية الشارقة متصلة بالذاكرة، تستعيد ما تركه الإنسان في المكان من عمارة وأدوات وحكايات وموسيقى وأنماط عيش، وتعيد إدخاله في الوعي المعاصر ليبقى عنصرًا منتجًا للهوية والمعرفة. كما أولت الشارقة ثقافة الطفل اهتمامًا واسعًا من خلال الكتب والمهرجانات والورش والمسرح والرسوم والفنون والجوائز، انطلاقًا من أن بناء المجتمع القارئ يبدأ في سنواته الأولى. وتتكامل هذه الجهود مع البرامج الموجهة إلى الشباب، ومبادرات التأليف والترجمة والتدريب والجوائز التي تمنح الكاتب والفنان أسباب الاستمرار والتطور. سلطان القاسمي… الثقافة بوصفها بناءً للإنسان وخلف هذه المسارات تقف رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي جعل الثقافة ركيزة في بناء الإمارة، ووضع الكاتب والفنان والمثقف في قلب مشروعها الحضاري. وقد استندت رؤيته إلى معرفة عميقة بالتاريخ والأدب والمسرح، وإلى قناعة بأن قوة المدن تُقاس بما تنتجه من وعي، وما تفتحه من أبواب أمام المعرفة، وما تحفظه لأجيالها من ذاكرة وهوية. ومن هنا نما المنجز الثقافي في الشارقة من خلال مؤسسات ومهرجانات ومعارض ومتاحف وجوائز ومبادرات تعمل على مدار العام، وتمتد إلى مختلف مدن الإمارة ومناطقها، ثم تعبر حدودها إلى الفضاء العربي. وأصبحت الثقافة عملًا مؤسسيًا متصلًا تتجاور فيه رعاية الموهبة مع صناعة الكتاب، وحفظ التراث مع التجريب الفني، والوفاء للهوية مع الانفتاح على العالم. وفي هذا السياق يكتسب انعقاد ملتقى الشارقة للسرد في عمّان معناه الأوسع؛ فهو يحمل إلى العاصمة الأردنية تجربة تؤمن بأن الحكاية العربية واحدة في عمقها، متعددة في أصواتها وأمكنتها. كما يؤكد أن الشارقة تذهب بمشروعها إلى المبدعين، وتلتقيهم في مدنهم، وتصغي إلى تجاربهم، وتفتح معهم فضاءً للحوار. وهكذا تبدو الشارقة مدينة تقرأ وتكتب وتمثّل وترسم وتحفظ ذاكرتها في آن واحد؛ مدينة جعلت الثقافة طريقة لرؤية الإنسان والعالم، وحولت الفعل الثقافي إلى جسر عربي دائم. ومن بين هذه الجسور يواصل ملتقى الشارقة للسرد رحلته، حاملًا أسئلة الحكاية من مدينة إلى أخرى، وجامعًا حولها كتّاب العرب ونقادهم، تحت مظلة مشروع يرى في الثقافة ذاكرة الأمة وطاقتها المتجددة على صناعة المستقبل.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com